المهمندارية الكبرى بحلب منك وكان صديقه، فتوجه إلى الأبواب الشريفة في أربعة عشر يوما، فلما اجتمع بقايتباي ظهر أن عمه كان من أصدقاء قايتباي قبل السلطنة، فقرره على وظيفته وألبسه الخلعة، فلما نزل بها إلى منزله أمر صديقه مهمندار كبير بالأبواب الشريفة عدوه الساعي عليه في وظيفته بأن يمشي معه بين يديه إلى منزله، فلم يسعه المخالفة، فلما وصل معه إلى منزلة اقتضت مروءة الناصري إذ تلاشى أمر عدوه وصلحت حاله أن نزع الخلعة وألبسه إياها كأنه لم يدر أنه سعى عليه، فعند ذلك اهتم العدو بشأنه وأضافه ضيافة حافلة وبسط عذره له، فيا لها مروءة أجراها المرء على عدوه اهـ.
أقول: وله وقف داخل في دائرة الأوقاف ومرتزقة يرتزقون منه.
عبدو بن سليمان الكردي القصيري الشافعي الصوفي الخلوتي.
قدم حلب مرارا ونزل عند شيخنا البرهان العمادي وغيره. وكان أصله من خينو من قرى القصير، فتركها مع نضارتها إلى قرية خربة بجبل الأقرع فعمر له بها دارا، فعمر غيره بها دورا، واعتزل بها إلى أن ورد عليه ولده الشيخ أحمد وقبل يديه وأظهر التوبة عما كان عليه من عدم الرضى بما عليه أبوه، فجعله خليفته وانقطع لمجرد العبادة.
وبلغني من بعض الثقاة أنه توجه إلى زيارته فرأى حول داره دواب لا تحصى للزوار وغيرهم، فحدثته نفسه بأن يشتري لدابته علفا خشية أن تموت بين تلك الدواب الكثيرة عند رجل فقير، قال: فقدمت على الشيخ فقال لي بديهة: أتخاف عليها من الموت لعدم العلف؟ فعلمت أنه قد كاشفني أو كشف له.
توفي بوطنه سنة أربع وأربعين.
وكان من المجدين في العبادة فوق العادة، يتعمم هو وأتباعه بالمئزر الأسود ويلبس التاج المضرّب دالات [1] . وكان في مريديه كثرة إلا أنها لم تبلغ كثرة مريدي ولده المذكور ولا كان يشتغل في العلوم الظاهرة مثله.
(1) هذا التاج يلبسه أتباع الطريقة الصوفية المنسوبة إلى إبراهيم بن أدهم، وهو قطعة قماش ضرب على ظاهرها ما يشبه الدالات.