قال أبو الفداء: وفي هذه السنة كان قد خرج الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى حارم للصيد ورمي البندق، واغتسل بماء بارد فحم، ودخل إلى حلب وقد قويت به الحمى واشتد مرضه وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة وكان عمره ثلاثا وعشرين سنة وشهورا. وكان حسن السيرة
في رعيته، ولما توفي تقرر في الملك بعده ولده الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد وعمره نحو سبع سنين، وقام بتدبير الدولة شمس الدين لولو الأرمني وعز الدين عمر بن مجلي وجمال الدولة إقبال الخاتوني، والمرجع في الأمور إلى والدة الملك العزيز ضيفة خاتون بنت الملك العادل اه.
وقال صلاح الدين الصفدي في تاريخه المرتب على السنين في حوادث هذه السنة: فيها توفي الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي. ولد في ذي الحجة سنة تسع وستمائة، وتوفي والده وهو طفل ونشأ في حجر شهاب الدين طغريل الخادم، فرتب أموره أحسن ترتيب وقام بدولته القيام العجيب إلى أن ترعرع واستقل بالأمر وفك عن نفسه الحجر، توفي بحلب ودفن بالقلعة، وكان حسن الصورة كريما عفيفا ولم يبلغ أربعا وعشرين سنة، وملك حلب بعده ولده الملك الناصر الذي قتله التتر رحمهما الله تعالى.
وقال في الزبد والضرب: دفن بالقلعة ودفنت والدته بالحجرة تجاه الصفة التي دفن فيها ولدها الملك العزيز اه.
وفي المختار من الكواكب المضية نقلا عن العلامة الذهبي في تاريخ الإسلام أنه دفن في مشهد الفردوس شمالي قبة الشيخ علي الهروي وغربي جبانة الصالحين وقبلي جبانة القلعيين، وهو مشهد مبارك تقام فيه الجمعة اه.
(أقول) : لعله بعد أن دفن في القلعة نقل إلى مشهد الفردوس.
قال أبو الفداء: في هذه السنة توجه عسكر حلب مع الملك المعظم تورانشاه عم الملك العزيز فحاصروا بغراس، وكان قد عمرها الداوية بعد ما فتحها السلطان صلاح الدين وخربها وأشرف عسكر حلب على أخذها، ثم رحلوا عنها بسبب الهدنة مع صاحب أنطاكية، ثم إن الفرنج أغاروا على ربض درب ساك وهي حينئذ لصاحب حلب فوقع بهم عسكر حلب وولى الفرنج منهزمين وكثر فيهم القتل والأسر، وعاد عسكر حلب بالأسرى ورؤوس الفرنج وكانت هذه الوقعة من أجلّ الوقائع اه.