وأما نجم الدين ألبي فإنه سير عسكرا، فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فنزل عليها وحصرها وبلغ الخبر إلى من بقي من الفرنج بالساحل أنه لم يسر إلى مصر، فحشدوا وجاؤوا ومقدم الفرنج البرنس صاحب أنطاكية والقمص صاحب طرابلس وأعمالها وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج وأبطالها والدوك وهو رئيس الروم ومقدمها، وجمعوا معهم من الراجل ما لا يقع عليه الإحصاء قد ملؤوا الأرض وحجبوا بقسطلهم السماء، فحرض نور الدين أصحابه وفرق نفائس الأموال على شجعان الرجال. فلما قاربه الفرنج رحل عن حارم إلى أرتاح وهو إلى لقائهم مرتاح، وإنما رحل طمعا أن يتبعوه ويتمكن منهم إذا لقوه، فساروا حتى نزلوا على عم وهو على الحقيقة تصحيف ما لقوه من الغم، ثم تيقنوا أنه لا طاقة لهم بقتاله ولا قدرة لهم على نزاله فعادوا إلى حارم وقد حرمتهم كل خير وتبعهم نور الدين، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال وبدأت الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين وبها عسكر حلب وصاحب الحصن فخر الدين، فبددوا نظامهم وزلزلوا أقدامهم وولوا الأدبار، وتبعهم الفرنج وكانت تلك الفرة من الميمنة عن اتفاق ورأي دبروه ومكر بالعدو مكروه، وهو أن يبعدوا عن راجلهم فيحيل عليهم من بقي من المسلمين ويضعوا فيهم السيوف ويرغموا منهم
الأنوف، فإذا عاد فرسانهم من إثر المنهزمين لم يلقوا راجلا يلجؤون إليه ويعود المنهزمون في آثارهم وتأخذهم سيوف الله من بين أيديهم ومن خلفهم، فكان الأمر على ما دبروا، فإن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف زين الدين في عسكر الموصل على راجلهم فأفناهم قتلا وأسرا وعادت خيالتهم ولم يمعنوا في الطلب خوفا على راجلهم من الطلب، فصادفوا راجلهم على الصعيد معفرين وبدمائهم مضرجين، فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا وحضعت رقابهم وذلوا، فلما رجعوا عطف المنهزمون أعنتهم وعادوا فبقي العدو في الوسط وقد أحدق بهم المسلمون من كل جانب، فحينئذ حمي الوطيس وحاربوا حرب من أيس من الحياة، وانقضّت العساكر الإسلامية عليهم انقضاض الصقور على بغاث الطيور، فمزقوهم بددا وجعلوهم قددا، فألقى الفرنج بأيديهم إلى الإسار وعجزوا عن الهزيمة والفرار، وأكثر المسلمون فيهم القتل وزادت عدة القتلى على عشرة آلاف، وأما الأسرى فلم يحصوا كثرة، ويكفيك دليلا على كثرتهم أن ملوكهم أسروا وهم الذين ذكروا من قبل. وسار نور الدين بعد الكسرة إلى حارم فملكها في الحادي والعشرين من رمضان، وأشار أصحابه عليه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها، فلم يفعل، وقال: أما المدينة فأمرها سهل. وأما القلعة التي لها فهي منيعة لا تؤخذ إلا بعد طول حصار، وإذا ضيقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية وسلموها إليه، ومجاورة بيمند أحب إلي من مجاورة ملك الروم، وبث سراياه في تلك الأعمال والولايات فنهبوا وسلبوا وأوغلوا في البلاد حتى بلغوا اللاذقية والسويدا وغير ذلك وعادوا سالمين. ثم إن نور الدين أطلق بيمند صاحب أنطاكية بمال جزيل أخذه منه وأسرى كثيرة من المسلمين أطلقهم. وقال الحافظ أبو القاسم: كسر نور الدين الروم والأرمن والفرنج على حارم وكان عدتهم ثلاثين ألفا. قال: ووقع بيمند في أسره في نوبة حارم وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد. قلت: وبلغني أن نور الدين رحمه الله لما التقى الجمعان أو قبيله انفرد تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومرغ وجهه وتضرع وقال: يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك فانصر أولياءك على أعدائك أيش فضول محمود في الوسط، يشير إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر. وبلغني أنه قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود، من هو محمود الكلب حتى ينصر. وجرى بسبب ذلك منام حسن نذكره في أخبار سنة خمس وستين عند رحيل الفرنج عن دمياط
بعد نزولهم عليها، وهذا فتح عظيم ونصر عزيز أنعم الله به على نور الدين والمسلمين مع أن جيشه عامئذ كان منه طائفة كبيرة بمصر مع شيركوه اه.
وقال في حوادث سنة خمس وستين: بلغني أن إماما لنور الدين رأى ليلة رحيل الفرنج عن دمياط في منامه النبي صلّى الله عليه وسلم وقال له: أعلم نور الدين أن الفرنج قد رحلوا عن دمياط في هذه الليلة، فقال يا رسول الله: ربما لا يصدقني فاذكر لي علامة يعرفها، فقال: قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت يا رب انصر دينك ولا تنصر محمودا من هو محمود الكلب حتى ينصر، قال: فانتبهت ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أنه كان ينزل إليه بغلس ولا زال يركع فيه حتى يصلي الصبح، قال: فتعرضت له فسألني عن أمري فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب، فقال نور الدين: اذكر العلامة كلها، وألح علي في ذلك فقلتها فبكى رحمه الله وصدق الرؤيا فأرخت تلك الليلة فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة اه.
قال ابن الأثير: في هذه السنة عصى غازي بن حسان المنبجي على نور الدين محمود بن زنكي، وكان نور الدين قد أقطعه مدينة منبج فامتنع عليه فيها، فسير عسكرا فحصروه وأخذوها منه، فأقطعها نور الدين أخاه قطب الدين ينال بن حسان وكان عادلا خيرا محسنا إلى الرعية جميل السيرة، فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة اه.
قال في الروضتين في حوادث سنة 563: كان ابن حسان صاحب منبج قد ساءت أفعاله، فبعث إليه نور الدين من حاصره وانتزعها منه ثم توجه نور الدين إليها لتهذيب أحوالها. ومدحه العماد الكاتب بقصيدة منها يقول:
بشرى الممالك فتح قلعة منبج ... فليهن هذا النصر كل متوج
أعطيت هذا الفتح مفتاحا به ... في الملك يفتح كل باب مرتج
وافى يبشر بالفتوح وراءه ... فانهض إليها بالجيوش وعرج
أبشر فبيت القدس يتلو منبجا ... ولمنبج لسواه كالأنموذج
ما أعجزتك الشهب في أبراجها ... طلبا فكيف خوارج في أبرج
ولقدر من يعصيك أحقر أن يرى ... أثر العبوس بوجهك المتبلج
لكن تهذب من عصاك سياسة ... في ضمنها تقويم كل معوج
فانهض إلى البيت المقدس غازيا ... وعلى طرابلس ونابلس عج
قد سرت في الإسلام أحسن سيرة ... مأثورة وسلكت أوضح منهج
وجميع ما استقريت من سنن الهدى ... جددت منه كل رسم مبهج
قال العماد: وسار نور الدين من منبج إلى قلعة النجم وعبر الفرات إلى الرها وكان بها ينال صاحب منبج وهو سديد الرأي رشيد المنهج، فنقله إليها مقطعا وواليا وأقام نور الدين بقلعة الرها مدة.