فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 2877

ولما وصل إلى حضرة الباش ترجل عن فرسه وسعى خطوات وأتى إلى الباشا لأجل تقبيل ركابه والسلام عليه والباشا أيضا نزل عن فرسه ومشى إلى الأمام، وكانت عساكر الباش قد وضعت الرصاص في البنادق وحينما دخل عساف بين العساكر أطلق عليه اثنان منهم الرصاص من أمامه واثنان منهم من خلفه فلم يصب بشيء منها لأنه كان لابسا ثلاثة من الدروع، وحينئذ حصل الهيجان في العربان الذين أتوا معه وأحضروا له فرسا فركبها للحال وتقدم للمكان الذي فيه إبراهيم باشا فقتل هو ومن معه مقدار عشرين من الباشوات

والأغوات وكروا راجعين إلى المكان الذي وقفت فيه جيوشهم، ونادى الأمير فيهم وأعلمهم بغدرهم وسوء نيتهم، فأقبلت تلك الجيوش كالسيل المنحدر وقد علا صياحها بالزغاريت والأناشيد الحماسية على مقتضى اصطلاحاتهم وانحطت على العساكر التركية وأعملت فيها السيف فقتل من قتل وجرح من جرح ومن كان منهم قوي الفرس لاذ إلى الفرار ومن لم يتمكن أخذ أسيرا وأخذ ما عليه من اللباس والسلاح، وكانت الأسرى تقدر بأربعة آلاف.

ورجع الفارون على أسوأ حال وهم حفاة عراة، وبعض من العربان هجموا على المكان الذي فيه الباشا وكان في وسط العساكر وأخذوا في محاربتهم وقتل كثير من الفريقين وأخيرا رجعوا عنهم وعاد الباشا بمن بقي معه إلى حلب.

واستولى العربان على الخيم التي أحضرها الباشا ليقيم فيها الضيافات وعلى القدور والأطعمة وسائر لوازم ذلك استولوا على الجميع مع كثير من الخيول. وكذلك أخذ العربان ثياب الأهالي الذين أتوا مع الباشا للتفرج والنزهة وخيولهم وعادوا إلى حلب بحالة سيئة يرثى لها وجرح البعض منهم. والمنتظر بعد الآن من الأمير عساف أن لا يكون له ثقة بالعثمانيين ويشق عصا الطاعة وأن يزداد العربان طغيانا على طغيانهم.

قال مصطفى نعيما: وحينما اتصلت هذه الأخبار بمسامع الدولة عزلت إبراهيم باشا ووجهت ولاية حلب إلى درويش باشا الذي كان منعزلا عن ولاية بغداد.

قال المؤلف: أخبرني بهذه الواقعة والدي المرحوم محمد آغا سردار حلب وأخبرني أنه كان مع إبراهيم باشا في واقعته هذه مع الأمير عساف وأنه قتل من حاشية إبراهيم باشا من 20إلى 30شخصا وسلبت حوائج أربعين ومن الأهلين سلب وجرح كثيرون.

ثم إن الدولة رأت أن الأولى استمالة الأمير المذكور وأرسلت تحارير تتلطف به، ثم إن كتخدا بك بكتاش آغا تبين أنه صديق للأمير عساف، فبعد أن جعل كتخدا الباب فبواسطة جدنا المرحوم علي آغا الصغير وهو من أعيان حلب

وعقلائها أرسل إلى عساف الفرمان الذي تقرر إرساله إليه وأرسلت له هدايا ذات شأن بقصد استمالته وعوده إلى سابق الطاعة. وفي ذلك الحين توجه والدي مع جدي في هذه المهمة وبوصولهما إلى المكان النازل فيه الأمير عساف وقومه استقبلا استقبالا حسنا على عادة العربان بإيقاف ثلة من الفرسان لابسة الدروع الداوودية، وحينما أخرجا الفرمان والخلعة قبلهما وقبلهما، ثم شرع جدي يباسطه الكلام وقال له: إن إطاعة الدولة العثمانية هي أقصى أماني الدول والملل ومدار افتخارهم، وبما أنك من نسل أبي ريش ذلك الرجل العريق في النسب والفصاحة وهو أصل العرب والعربان فإنه لا يحتمل أن يصدر منك شيء خارج عن دائرة الآداب، فما هو السبب حينئذ فيما حصل بينك وبين إبراهيم باشا من الأمور التي أدت إلى ما لا تحمد عقباه وما هي بواعث ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت