فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 2877

وكان في ذلك الحين رئيس العربان الأمير عساف يعيث في الأرض فسادا ويتسلط هو وعربانه على القرى بالسلب والنهب وكان قمع ثائرته من الأمور المتعسرة على الدولة وعزله عن هذه الزعامة كذلك، فأخذ إبراهيم باشا في تدبير حيلة يستولي بها عليه فأرسل إليه رجلا من خواصه يدعوه إلى حضور ضيافته، لكن الأمير عساف لم يكن مطمئن الجانب من إبراهيم باشا خصوصا والرسول لم يكن ممن يثق بكلامه من أعيان حلب، فلم يجب الدعوة وأجاب القاصد أنه لتعوده على خشونة البداوة لا يرغب الدخول إلى الحاضرة ويرجو لهذا أن يعفى من إجابة دعوة الباشا وحضور ضيافته، وأرسل خيلا كريمة إلى الباشا واعتذر بأن تقرب عربانه من ديار حلب لا يوافق المصلحة. ولما لم يفد هذا التدبير شيئا أحضر إبراهيم باشا رجلا من أعيان حلب اسمه (دالي قورد) وذاكره في شأن الأمير عساف فقال له: إن العربان لا تأتي إلى الحواضر والرأي عندي أن تدعوه إلى مكان يكون بعيدا عن الحاضرة مقدار مرحلة، فوافقه على ذلك وفوّض إليه الأمر فتوجه هذا إليه ودعاه فأتى هو وعشائره إلى مكان يبعد خمس ساعات عن حلب، وقد أرسل الباشا لوازم الضيافة إلى هذا المكان

وكثير من أهالي حلب توجهوا زمرا زمرا بدعوة من الباشا إلى ذلك المكان بأبهة عظيمة، لكن (دالي قورد) جاء سحرا إلى إبراهيم باشا قبيل توجهه وقال له: يا حضرة الباشا إن كان فكرك قتل ملك الصحراء في هذه المرة فإن ذلك محال لأني قد أعطيته أمانا وعهودا وثيقة أنك لا تتعرض له بسوء، ثم إن الغفلة التي كانت في العربان قد زالت في هذا الزمان وأصبحوا الآن يعلمون من أدنى حكرة وإشارة ماذا يراد بهم من الخدع، والأمير عساف لا يأتي بقليل من أتباعه بل يأتي بجميع قبائله فإذا لمح منكم أدنى مكروه تقصدونه به فإنه ينادي النفير وحينئذ لا ينتظر أنكم تظفرون به بل الغالب أن النصر يكون بجانبه، وإذا عولت على الإيقاع به فإن عساكرك غير مدربة وعساكر الأمير متعودة على الحرب، وأيضا فإنا إذا عاملنا هذا الرجل معاملة سيئة وغدرنا به بعد أن أعطيناه العهود والمواثيق فإن جميع العربان في هذه الأقطار الشاسعة لا تأمن لنا بعد الآن ولا تثق بعهودنا وتعتبرها من خونة العهود وتضعف شوكة نفوذها وسلطتنا عليهم والأمر إليك. فوعده الباشا خيرا وطمن قبله ثم خرج الباشا من الشهباء إلى المكان الذي أعد للاجتماع بملك الصحراء وإقامة الضيافات له، وخرج معه قسم من العساكر وهي مسلحة بالبنادق، فحضر عساف ملك الصحراء ومعه أزيد من ستة آلاف فارس من عشائره بالعدد التامة من الرماح والسيوف. ومن عادة العرب أنهم أينما ساروا يسيرون معهم آلافا من الدروع الداوودية محملة على الجمال مع كل مقدم من مقدميهم خشية طارق يطرق عليهم، ومن عادتهم حمل بيوت من الشعر من جملتها بيت كبير عظيم يجتمع فيه كبراؤهم ويتشاورون فيه في مهامهم ويقضون ويمضون وهو لديهم بمنزلة الديوان في الحواضر، فهذه الدروع وهذه البيوت شعار دولتهم وعظمتهم.

وحينما أقبلت تلك الفرسان كان معظمها متدرعا بتلك الدروع، ولما قرب ملك العرب عساف انتخب مئات من قومه من شجعانهم وأتى إلى المكان الذي أعد لنزوله والباقون من قبائله وقفوا بعيدا عنهم.

ولما وصل إلى حضرة الباش ترجل عن فرسه وسعى خطوات وأتى إلى الباشا لأجل تقبيل ركابه والسلام عليه والباشا أيضا نزل عن فرسه ومشى إلى الأمام، وكانت عساكر الباش قد وضعت الرصاص في البنادق وحينما دخل عساف بين العساكر أطلق عليه اثنان منهم الرصاص من أمامه واثنان منهم من خلفه فلم يصب بشيء منها لأنه كان لابسا ثلاثة من الدروع، وحينئذ حصل الهيجان في العربان الذين أتوا معه وأحضروا له فرسا فركبها للحال وتقدم للمكان الذي فيه إبراهيم باشا فقتل هو ومن معه مقدار عشرين من الباشوات

والأغوات وكروا راجعين إلى المكان الذي وقفت فيه جيوشهم، ونادى الأمير فيهم وأعلمهم بغدرهم وسوء نيتهم، فأقبلت تلك الجيوش كالسيل المنحدر وقد علا صياحها بالزغاريت والأناشيد الحماسية على مقتضى اصطلاحاتهم وانحطت على العساكر التركية وأعملت فيها السيف فقتل من قتل وجرح من جرح ومن كان منهم قوي الفرس لاذ إلى الفرار ومن لم يتمكن أخذ أسيرا وأخذ ما عليه من اللباس والسلاح، وكانت الأسرى تقدر بأربعة آلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت