فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 2877

وهذه المدرسة عظيمة كبيرة ولها إيوان من أعاجيب الدنيا، ولها قبلية عجيبة وشمالية، وأرضها مفروشة بالرخام الأبيض والأسود، ولها أعمدة أخذ تغري برمش كافل حلب من أعمدتها بدلالة ابن الحصوني مباشرة فجعلها أحجارا للمكحلة التي عملها ليرمي بها على القلعة، فلم ينجح بسبب ذلك، وفي طرازها مكتوب بالكوفي: كملت عمارتها في

سنة سبع عشرة وخمسمائة. قال ابن شداد: وابتدىء بعمارتها سنة ست عشرة. وحائطها الشمالي اندثر غالبه وجدد بعد ذلك، والبقية التي فيه من الكتابة هي من العمارة القديمة، ولها باب صغير إلى جانب الباب الكبير يدخل منه المدرس، وبها كانت القسيمية وقد تقدم الكلام عليها وعلى وقفها (أي في الجزء الأول وهو لم يصل إلىّ) ووقف صاحب الزجاجية عليها قرية كارس وكانت الجمعة تقام بهذه القرية، ولم تزل هذه المدرسة قائمة الشعار عامرة إلى محنة تمر، فانهدم غالبها وبقي إيوانها، وسيأتي في الحوادث متي خرب، وقد غير أساسها الأمير علاء الدين علي بن الشيباني وزعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأمره بعمارتها، وأحضر كافل حلب ووقفه عليها، ثم إنه شرع في حفر الأساس ثم أمسك عن عمارتها. ولما قدم ابن الضياء إلى حلب بعد فتنة تمر أشار عليه والدي بعمارتها شيئا فشيئا فلم يقبل، ثم ندم عند الموت. ولقد حصل من رائع وقفها شيء فدفعه إلى دوادار كافل حلب قرقماش ولم يلتمس منه شيئا، والآن المدرسة خراب والضيعة عامرة اهـ. قال في الدر المنتخب: وهي الآن خراب وقد عمر بها دور للسكنى اهـ.

قال أبو ذر في الكلام على درب الزجاجين: وبهذا الدرب حمّام يعرف الآن بالزجاجين، وبه مسجد غربي المدرسة أمر بعمارته العادل أبو بكر محمد بن أيوب بتولي أحمد بن عبد الله الشافعي في سنة إحدى وخمسين اهـ.

وهذا المسجد لم يزل موجودا، وقد تقدم ذكره وصورة ما كتب عليه في ترجمة عبد الله القصري المتوفى سنة 542، فعلى هذا يكون مكان المدرسة هو نفس الخان المعروف الآن بخان الطاف لا ما ذكرناه في حوادث سنة 518من أنه في أوائل زقاق أبي درجين الذي هو غربي هذا المسجد. والذي يغلب على الظن أن بقية الأحجار الكبيرة التي هي في الخان وفي مدخله وفي قناطر بعض مخازنه هي من بقايا آثار تلك المدرسة ولله الأمر.

الذي ظهر لي في سبب بناء شرف الدين ابن العجمي رحمه الله لهذه المدرسة أنه كان كما علمت ممن رحل إلى بغداد وتفقه بها على أبي بكر الشاشي، واسمه محمد بن أحمد المعروف بالمستظهري الملقب فخر الإسلام، وعلى أبي الفتح أسعد بن أبي نصر الميهني الملقب مجد

الدين، وكلاهما من مدرسي المدرسة النظامية المشهورة في بغداد كما ذكره ابن خلكان في ترجمتهما، ولما شاهد المترجم تلك المدرسة العظيمة ورقّي العلم في بغداد في ذلك العصر الزاهر أثر ذلك في نفسه، ولما عاد إلى وطنه أشار على صاحب حلب وقتئذ سليمان بن عبد الجبار في ذلك وشرعا في بنائها ونسبت إليهما، وتهافت الناس بعد ذلك على تشييد المدارس والخوانك وغير ذلك من الآثار الخيرية، فانتشر العلم ونفقت أسواقه في هذه البلاد وتقدمت به تقدما عظيما، والفضل في ذلك يرجع إلى هذا الإمام الكبير. فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الثواب بمنه وكرمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت