وكان أبوه القاضي تقي الدين قد ذهب إلى القاهرة فاجتمع بالمقر المحبي ابن آجا كاتب الأسرار الشريفة بها فأبرم عليه أن يكون قاضي الشافعية بحلب، فأبى رعاية منه لعمي الكمال قاضيها، ففوض إليه الأمر السلطاني قضاء حماة، فأبى وسعى فيه لولده هذا، فبقي بها قاضيا إلى انقضاء الدولة الجركسية، فلما مر على حماة المقام السليمي ذاهبا إلى القاهرة ليأخذها ولاه قضاها أيضا، فلما أخذها وعاد بدا للقاضي نور الدين أن يترك القضاء
في هذه الدولة تورعا عما فيها من رقم ورسم وسجلات الحسبة ونحو ذلك، فتركه وطلب شيئا من المناصب الحموية، فأخرجت له براءة واحدة بنحو ثلاثين منصبا ما بين تدريس وتولية.
ثم أقام بحلب مع والده بالمدرسة الشمسية بمحلة سويقة حاتم وحريمه معه بها، فلم تكن عتبتها مباركة عليه ولا على أبيه وأخيه المقر الشهابي المتقدم ذكرهما حتى ماتوا بعد قليل من مجيئهم من حماة.
وكانت وفاة القاضي نور الدين سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة.
يحيى بن علي الشيخ المعمّر المنوّر شرف الدين الحصكفي ثم الحلبي الشافعي المعروف بابن الشاطر، ابن معلم السلطان بحصن كيفا في دولة السلطان حسن بك، وأخو المعلم يوسف معلم السلطان بحلب، وابن عمة شيخنا العلاء الموصلي.
باشر صنعته في أوائل عمره بتقوى وديانة وبلغ فيها ما لم يبلغه غيره من الكمال، ثم تركها واشتغل بالطاعة والعبادة وفعل الخير حتى كان هو السبب في وصول الماء إلى محلة سويقة الحجارين بحلب، وذلك أنه سعى فيه عند يشبك الدوادار لما نزل على حلب متوجها إلى أخذ الرها من السلطان يعقوب بك بن حسن بك، فسمح له بخمسة عشر ألفا فصرفها على عمل الحوض الكائن بها الآن مع ما ضمه إليها أهل الخير من المال.
وحج وجاور بالقدس الشريف قريبا من اثنتي عشرة سنة، وأكرمه كل الإكرام بالإنفاق عليه شيخ الإسلام الشمس محمد بن أبي اللطف الحصكفي الشافعي. ولما كان بحلب قبل هذه المجاورة نسجت المودة بينه وبين ولي الله تعالى الشيخ علي بك بن المصارع البيري مريد الشيخ محمد الكواكبي وهو إذ ذاك بالبيرة إلى أن زار المثنى بذكره المبدوء بذكره، فاجتذبه بالحال إلى البيرة فسكنها، فبينما هو نائم ذات ليلة إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اخلع على الشيخ علي بك بن المصارع، فقال: وماذا أخلع عليه يا رسول الله؟ فقال: هذا، وكان عليه إذ ذاك لبّاد قصير يلبسه على القميص وينام به، فلما استيقظ من نومه انتزعه من ساعته وطيّبه ورش
عليه ماء الورد، ثم توجه به إلى الشيخ علي بك بن المصارع وقص عليه القصة وأعطاه إياه، فلبسه ولم يزل عليه إلى أن تقطع ورقعه مرة بعد أخرى.