ثم إنه بعد أن أتم نظامها على ما سلف أصدر أمرا سلطانيا جاء في بعض مواده إعفاء أهل هذه البلدة وكل من يأوي بالسكنى إليها من كافة التكاليف السلطانية حتى من الأعشار المشروعة مدة عشرين سنة على أن تعود تلك الأعشار خاصة بعد المدة المضروبة إلى مصالح الحرمين المحترمين المكي والمدني، وأن من لجأ إليها على سبيل الإقامة والاستقامة أمين في سربه من كل غائلة لا يسأل من طرف الحكومة عمّا فعل ولو كان جانيا جناية القتل ومعلوم ما كان إذ ذاك من استعظام تلك الجريمة بعكس اليوم (فما أكثر الجرحى وما أرخص القتلى) وأن من ينسب إلى الخرقة العلمية سواء كان من أهلها أو من سواها يكون على غاية من العناية والرعاية إلى غير ذلك من الامتيازات التي من أهمها حصر عمل الصابون في معاملها وحظره على سائر البلاد السورية وإخطاره الحكومة في كافة الجهات من المخالفة بشديد المعاقبة، فمن ثمة اشتهرت بإدلب الصابون وصارت كعبة القصد سيما وقد وطد أمر الحكومة بها على دعائم العدل المفرط وخصص لها قوانين خاصة بها امتازت بها على كافة ما جاورها من البلدان، على أن تواصيه كانت ملتزمة متوالية بشأنها وشؤون سكانها
على الأخص منها أهل العلم والصلاح والذمة آنا فآنا تترى من قبله إلى ولاة حلب ومنها إلى متسلميها من حكام الإدارة والسياسة، وما زالت هذه عنايته بها مدة حياته الأمر الذي حمل أهالي القرى التي حولها إلى تحويل الوجهة بالهجرة إليها والسكنى بها. وكانت نحوا من ثلاثين قرية وها هي محالها الآن مزارع ومغارس لأهلها اليوم، وكذا رغب الانحياز إليها كثير من أهالي البلاد الدانية منها كالجسر وحارم وأنطاكية والمعرة وريحا وسرمين ومعرة مصرين والقاصية عنها كاللاذقية والأدهمية ودمشق وحمص وحماة وحلب، تلقب إلى اليوم بقايا تلك العائلات فيها بأسماء محلاتها الأصلية فلا تعرف إلا بالنسبة إليها.
فمما تقدم عظم شأنها وراجت بضائعها ونمت زراعتها وكثرت صنائعها واتسع نطاقها وطاب الاستقرار بها حيث أصبحت مأمنا لكل خائف ومأمولا لكل آمل، تختال سكنها تيها بتلك الامتيازات الملوكية في بحبوحة من العيش متدرجة يوما فيوما على درجات الارتقاء إلى ذروة السعادة والنجاح دون خلود إلى راحة الخمود والجمود كما هي عليه اليوم، ولا أدري إلى ماذا يكون مصيرها إذا لم تستيقظ من سباتها وتسعى سعيها في استرجاع ماضيها الزاهر ورقيها الباهر.
بقدر ما كانت تجارة هذه البلدة راقية وشؤونها العمرانية زاهية نامية كانت من الوجهة العلمية أرقى درجة وأسرع حركة وأبعد صيتا وأعظم شهرة، فقد أنجبت فيما سلف من أهل العلم والعرفان أئمة عظاما شاع ذكرهم وعبق عطرهم، شهدت بفضلهم أعلام الأمصار وسارت سيرتهم كالشمس في رابعة النهار. أخص بالذكر منهم تنويها بشأنهم لا استقصاء لعددهم الإمام الكبير الشيخ أحمد الكاملي وولده المفتي الشيخ ياسين والأستاذ الجليل السيد الشيخ إسماعيل الكيّالي وأولاده الخمسة وأشهرهم السيد شعيب من أشياخ السيد مرتضى الزبيدي شارح الإحياء والقاموس كما ذكره في مادة (كيل) فيما استدركه من الكلمات على القاموس المحيط وترجمه المرادي الدمشقي في تاريخه سلك الدرر، والعلّامة الكبير الشيخ عمر الفيومي والشيخ صالح الحميداني الكبير أحد تلامذة السيد شعيب المشار إليه والمحشّي لكتابه الوامق، والشيخ علي الجوهري والشيخ عبد الرحمن الجوهري الكبير، والشيخ شومان الشهيد الذي نوّه بشأنه الشيخ أبو السعود الكواكبي الحلبي في إحدى مجموعاته والشيخ السلموني والشيخ يوسف الحمداني والعلّامة الأسقاطي الأزهري
والشيخ أحمد المرتيني الكبير وأضرابه الأجلّاء كالشيخ خليل أمين الفتوى الذي ينسب إليه الجامع المعروف بجامع الشيخ خليل لطول مجاورته فيه وكالعلامة الفرضي الكبير الشيخ محمد محي الدين الكيّالي والشيخ الكاملي الصغير حفيد الكاملي الكبير صاحب القابوس مختصر القاموس، ومنهم إمام عصره السيد محمد حافظ أفندي الكيّالي الكبير والأستاذ المعروف بالغزالي الثاني والأستاذ الشيخ عمر أفندي المرتيني الشافعي الصغير وأخيه الشيخ صالح وأولادهما والشيخ عبد القادر النوري الكيالي وأولاده أصحاب التصانيف العديدة، والشيخ محمد الجوهري الكبير والشيخ صلاح الجوهري وغيرهم ممن يطول شرحهم، ولهؤلاء الأعلام بقية خيرهم خير خلف لخير سلف أدركنا منهم جملة منها أفاضل لا تزال في قيد الحياة نفع الله بهم وبأمثالهم البلاد والعباد، ولكل من ذكرناه من أولئك الجهابذ آثار حميدة ومآثر مفيدة تستوعب لو بسطنا الكلام عليها مجلدا ضخما عدا من تقدمهم من الطبقات فيما قبل الألف الهجرية، وبعزمي إن ساعدني القدر إنشاء تاريخ يجمع ما يسعدني الحظ من العثور على بعض تراجمهم مرتبا فيه أسماءهم الكريمة على الحروف الأبجدية قاصدا بذلك خدمة العلم والعلماء واستلفاتا لأنظار ناشئة اليوم إلى ما عساهم أن ينظروا في سيرة أسلافهم فتهزهم حمية الانتماء إليهم إلى الاقتداء بهم والسلوك في مسالكهم. إذا كانت بهذا السلف الصالح وما ظهر وبهر من علومهم وشهد لهم الأقران في منطوقهم ومفهومهم تسمى هذه البلدة على ما اشتهر الأزهر الأصغر.