فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 2877

بقدر ما كانت تجارة هذه البلدة راقية وشؤونها العمرانية زاهية نامية كانت من الوجهة العلمية أرقى درجة وأسرع حركة وأبعد صيتا وأعظم شهرة، فقد أنجبت فيما سلف من أهل العلم والعرفان أئمة عظاما شاع ذكرهم وعبق عطرهم، شهدت بفضلهم أعلام الأمصار وسارت سيرتهم كالشمس في رابعة النهار. أخص بالذكر منهم تنويها بشأنهم لا استقصاء لعددهم الإمام الكبير الشيخ أحمد الكاملي وولده المفتي الشيخ ياسين والأستاذ الجليل السيد الشيخ إسماعيل الكيّالي وأولاده الخمسة وأشهرهم السيد شعيب من أشياخ السيد مرتضى الزبيدي شارح الإحياء والقاموس كما ذكره في مادة (كيل) فيما استدركه من الكلمات على القاموس المحيط وترجمه المرادي الدمشقي في تاريخه سلك الدرر، والعلّامة الكبير الشيخ عمر الفيومي والشيخ صالح الحميداني الكبير أحد تلامذة السيد شعيب المشار إليه والمحشّي لكتابه الوامق، والشيخ علي الجوهري والشيخ عبد الرحمن الجوهري الكبير، والشيخ شومان الشهيد الذي نوّه بشأنه الشيخ أبو السعود الكواكبي الحلبي في إحدى مجموعاته والشيخ السلموني والشيخ يوسف الحمداني والعلّامة الأسقاطي الأزهري

والشيخ أحمد المرتيني الكبير وأضرابه الأجلّاء كالشيخ خليل أمين الفتوى الذي ينسب إليه الجامع المعروف بجامع الشيخ خليل لطول مجاورته فيه وكالعلامة الفرضي الكبير الشيخ محمد محي الدين الكيّالي والشيخ الكاملي الصغير حفيد الكاملي الكبير صاحب القابوس مختصر القاموس، ومنهم إمام عصره السيد محمد حافظ أفندي الكيّالي الكبير والأستاذ المعروف بالغزالي الثاني والأستاذ الشيخ عمر أفندي المرتيني الشافعي الصغير وأخيه الشيخ صالح وأولادهما والشيخ عبد القادر النوري الكيالي وأولاده أصحاب التصانيف العديدة، والشيخ محمد الجوهري الكبير والشيخ صلاح الجوهري وغيرهم ممن يطول شرحهم، ولهؤلاء الأعلام بقية خيرهم خير خلف لخير سلف أدركنا منهم جملة منها أفاضل لا تزال في قيد الحياة نفع الله بهم وبأمثالهم البلاد والعباد، ولكل من ذكرناه من أولئك الجهابذ آثار حميدة ومآثر مفيدة تستوعب لو بسطنا الكلام عليها مجلدا ضخما عدا من تقدمهم من الطبقات فيما قبل الألف الهجرية، وبعزمي إن ساعدني القدر إنشاء تاريخ يجمع ما يسعدني الحظ من العثور على بعض تراجمهم مرتبا فيه أسماءهم الكريمة على الحروف الأبجدية قاصدا بذلك خدمة العلم والعلماء واستلفاتا لأنظار ناشئة اليوم إلى ما عساهم أن ينظروا في سيرة أسلافهم فتهزهم حمية الانتماء إليهم إلى الاقتداء بهم والسلوك في مسالكهم. إذا كانت بهذا السلف الصالح وما ظهر وبهر من علومهم وشهد لهم الأقران في منطوقهم ومفهومهم تسمى هذه البلدة على ما اشتهر الأزهر الأصغر.

ويقال إن أول من وصفها بهذا الوصف الزاهر إمام عصره الحجة العمدة الثبت الثقة العلم المفرد الشيخ حسين التونسي ثم المصري الأزهري وذلك حينما قدم إدلب خلال تجواله في البلاد السورية سنة أربعين بعد المائتين والألف وأقام بها مدة غير قليلة فكانت تجتمع عليه علماؤها وقتئذ وتجري بينهم المذاكرات والمباحثات النظرية ويطارحهم المسائل العويصة والمشاكل الدقيقة ويساجلهم في ضروب من الأبحاث النقلية والعقلية فيجد منهم ما لم يجده في علماء البلاد ممن ناظرهم وحاورهم، فأجاز فيها واستجاز، ولما كانت تجتمع عليه العلماء من غيرها ويرى منهم التقصير في المناظرة يقول لهم: اذهبوا إلى إدلب فإن هناك الأزهر الأصفر ووفروا كلفة المشقة بالذهاب إلى مصر. وقد صدر مثل هذه الجملة عن جملة من أهل الفضل منهم العلامة الشهير الشيخ عبد الغني أفندي الرافعي أثناء وجوده بها قاضيا سنة ثلاث وتسعين بعد المائتين والألف، وله كما للأستاذ التونسي المتقدم محاورات

ومناظرات لو تدوّنت لشكلت حجم كتاب ضخم سنأتي على بعض ما وصلنا منها في تاريخنا المنوي إن شاء الله إنشاؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت