ولما وضعت الحرب أوزارها رجع مع فرقته إلى الشام. وبعد أن أقام فيها مدة ذهب معها إلى المدينة لحفظ الخط الحجازي من تعدي العربان عليه، وبقي ثمة نحو أربعة أشهر، ثم عاد إلى الشام. وبعد أن أقام فيها مدة وجيزة أعلنت الحرب العامة، وذلك في 11رمضان سنة 1333، وأخذت الدولة العثمانية تجهز الجيوش الجرارة وتحشدها في أطراف مملكتها، فتوجه المترجم مع العساكر التي أرسلت نحو ترعة السويس، وذلك تاسع عشر صفر سنة 1334، ولم يأل جهدا في التحريض على الجهاد والثبات في الحرب. وفي ليلة الثلاثاء الموافق للثامن عشر من ربيع الأول سنة 1334زحفت تلك الجيوش نحو الترعة والمترجم معها يحرضها ويدعوها إلى الثبات، فوصلت إليها قبيل الفجر، فأخذت الرشاشات الإنكليزية تقذف بنيرانها على تلك الجيوش، فلم تستطع العبور، وعزمت على الثبات في مواضعها، وأخذت في حفر الحفر لتقيها من تلك القذائف النارية، إلا أنها لم تستطع البقاء لأن القذائف كانت تنهال عليهم كالمطر الغزير، فأمرت تلك الكتائب بالرجوع، فشرعت في ذلك، فمر المترجم من مكان كانت نيران الأعداء مسلطة عليه فأصيب المترجم بشظية ذهب بها شهيد المعركة. وعند عصر ذلك اليوم بلغ ولده الشيخ صلاح الدين، وكان
مرافقا لهذا الجيش أيضا استشهاد أبيه، فذهب إلى ذلك الموضع وواراه في حفرة هناك، رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه.
وكان المترجم أسمر اللون، مستدير الوجه، عظيم الرأس، كث اللحية، قصير القامة، بدينا، قوي الجسم جدا. وكان مقداما جريئا كثير الحركة والمداخلة مع الحكام بقصد إصلاح ما فسد من الأمور، ولا تفتر له في ذلك عزيمة.
ومع ما كان له من المساعي في حلب وغيرها فإنه لم يخل من ألسنة الناس، وكانوا يعدون أقدامه جنونا وجرأته تهورا، وما أحراه بقول الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم
وإنما ترجمناه في تاريخنا مع أنه ليس على شرطنا، إذ ليس هو ممن ولد في حلب ولا ممن توفي فيها، لآثاره العمرانية العديدة التي قام بها في حلب، ولأنه ممن تلقينا بعض العلوم عنه واستفدنا منه كما تقدم.
محمد أسعد باشا ابن علي غالب أفندي ابن سعيد أفندي ابن محمد أسعد أفندي ابن عبد القادر أفندي ابن مصطفى أفندي الجابري، السريّ ابن السريّ والوجيه ابن الوجيه، وقد تقدمت تراجم آبائه في محالها.
ولد المترجم سنة 1270، ونشأ نشأة صالحة بعيدة عن الإلمام بالسفاسف ودنيئات الأمور. وأول ما تولاه من الوظائف أن صار عضوا في محكمة البداية، وذلك في سنة 1298، ثم انتقل إلى محكمة الاستئناف في سنة 1304وبقي فيها سنتين، وفي سنة 1306 عين عضوا في مجلس إدارة الولاية، بقي إلى سنة 1314، ففيها أعيد إلى عضوية محكمة الاستئناف فبقي أربع سنوات، ثم اعتزل ولزم بيته إلى سنة 1320، ففيها أعيد لعضوية مجلس الإدارة، بقي فيها إلى سنة 1324ثم استقال، ثم أعيد إليها في سنة 1325وبقي إلى نواحي سنة 1330، ففيها استعفى ولزم بيته إلى حين وفاته، وتخلل ذلك أنه توجه وكيلا لمتصرفية أورفة. وحينما ابتدأت الثورة الأرمنية في جهة الزيتون أرسل لإهماد نار
تلك الفتنة ثمة، وذلك أيام الوالي حسن باشا أشقورده لي في سنة 1313.