ولد المترجم سنة 1270، ونشأ نشأة صالحة بعيدة عن الإلمام بالسفاسف ودنيئات الأمور. وأول ما تولاه من الوظائف أن صار عضوا في محكمة البداية، وذلك في سنة 1298، ثم انتقل إلى محكمة الاستئناف في سنة 1304وبقي فيها سنتين، وفي سنة 1306 عين عضوا في مجلس إدارة الولاية، بقي إلى سنة 1314، ففيها أعيد إلى عضوية محكمة الاستئناف فبقي أربع سنوات، ثم اعتزل ولزم بيته إلى سنة 1320، ففيها أعيد لعضوية مجلس الإدارة، بقي فيها إلى سنة 1324ثم استقال، ثم أعيد إليها في سنة 1325وبقي إلى نواحي سنة 1330، ففيها استعفى ولزم بيته إلى حين وفاته، وتخلل ذلك أنه توجه وكيلا لمتصرفية أورفة. وحينما ابتدأت الثورة الأرمنية في جهة الزيتون أرسل لإهماد نار
تلك الفتنة ثمة، وذلك أيام الوالي حسن باشا أشقورده لي في سنة 1313.
وكان رحمه الله شهما غيورا، لا يألو جهدا في قضاء حوائج الناس لدى الحكام، خصوصا في مجلس الإدارة الذي قضى فيه مدة طويلة، مستقيما عفيفا حسن الاعتقاد مواظبا على الصلاة محبا للعلم وأهله والأدب وذويه، لذلك كان يغشى منزله العلماء والأدباء فيرون منه مزيد الإقبال. ولمحبته للعلم ورغبته في إحيائه رمم مسجد الدليواتي الكائن بالقرب من منزله في محلة الفرافرة، وبنى فيه ست حجر للطلبة وحجرة للمدرس، وعيّن له مدرسا شيخنا العلامة الشيخ أحمد المكتبي الفقيه الشافعي على أن يدرس فيه الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقصد بذلك إحياء فقه الشافعية الذي كاد يدرس لقلة علماء الشافعية بحيث لم يبق في الشهباء من يشار إليه فيه سوى شيخنا المتقدم، وسبب ذلك إقبال الطلاب على التفقه على مذهب الحنفية، لأن الإفتاء والقضاء والمعاملات على ذلك المذهب بمقتضى أوامر سلاطين الدولة العثمانية، والناس على دين ملوكهم. وكان افتتاح هذه المدرسة وابتداء التدريس فيها يوم السبت في عشر ربيع الثاني سنة 1323، وقرىء يوم افتتاحها المولد النبوي حضره بعض العلماء والوجهاء.
وشرط المترجم أن يكون الطلاب من الغرباء. وبقي شيخنا الشيخ أحمد المكتبي مدرسا فيها إلى حين وفاته، وذلك في سنة 1342، وخلفه في التدريس فيها تلميذه الشيخ سعيد الإدلبي وهو باق إلى الآن. وصرف المترجم على هذه الحجر وترميم هذا المسجد 300 ليرة عثمانية ذهبا، ووقف له خانا في محلة باب النيرب في بوابة الشيخ جاكير وثلاثة دكاكين في طرف الخان، غير أن الوقفية لم تسجل بعد.
ومن آثاره مسجد عمره في محلة الصفا ووقف له دكاكين عمرها في جانب المسجد.
وعمر مسجدا في قرية حليصية وفي قرية فافين، ومسجدا في قرية تل قراح، والقريتان الأخيرتان ملحقتان بقضاء عزاز.
ومن آثاره نشر كتاب «بدائع الصنائع» ذلك الكتاب الجليل في الفقه الحنفي للإمام الكاساني الحلبي المتوفى سنة 587، فإنه طبع على نفقته ونفقة ابن عمه الحاج مراد أفندي الجابري في سبع مجلدات في مصر في المطبعة الجمالية، وقد قدمنا ذكر ذلك في ترجمة الإمام الكاساني.
وكان له عناية في اقتناء الكتب خصوصا الكتب الأدبية والتاريخية، وله مطالعة فيها.