وقد عدمته أهل الاختيار بدارا
فريدا كان في نقل المذاهب ... فللطلاب كم أبدى غرائب
وفي حلب لقد صعد المناصب
ولا يسعى لأبواب الكبار نهارا
ولم يقطع لأهل الافتقار مزارا
جواد كان في رد الجواب ... وكم في العلم ألف من كتاب
وميز للمشايخ والشباب
وكانت منه أهل الاشتهار فخارا
ولا يرعى الملوك ولا يداري إمارا
لقد بطل الرشى لما تقضّى ... وكم قد رد بعد الحل أرضا
وكان الغيظ يكظمه ويرضى
لمن أسعى لقد زاد افتكاري وحارا
وعقلي طار من بعد اختياري نفارا
مضى ابن أبي الرضى حمدا وولى ... وسافر سفرة ما عاد أصلا
ترى هل كان في الدنيا وولى
فعن أولاده وعن الذراري توارى
وأوحش حين سار إلى القفار ديارا
مضى ابن أبي الرضى قاضي القضاة ... وأصبحت المنازل خاليات
سيسكن في القصور العاليات
ويلبس من حرير الافتخار شعارا
ويلقى الجبر بعد الإنكسار فخارا
عليه يا دموعي هيا هيا ... فقلبي قد كواه البين كيا
أقول وإن قضى لو كان حيا
على ابن أبي الرضى مر اصطباري وسارا
وعيني قد جرت من عظم ناري بحارا
قال القاضي علاء الدين في تاريخ حلب: كان ابن أبي الرضى من رجال العلم بجده
وهمته، وكان يقوم بأمر الشرع ويشتد في إنكار المنكرات اهـ.
قال في المنهل الصافي: أشقتمر بن عبد الله المارديني الناصري الأمير سيف الدين، أحد أعيان الأمراء الأكابر في عدة دول. أصله من مماليك صاحب ماردين، وبعثه إلى الملك الناصر حسن فرباه الناصر وأدبه، وكان يعرف ضرب العود ويحسن قول الموسيقى ويعرف عدة فنون. ولما رأى الناصر منه حسن الحزم والمعرفة قربه وأدناه وأمّره. ثم تنقل بعد موت أستاذه السلطان حسن في عدة وظائف إلى أن ولاه الملك الأشرف شعبان بن حسين نيابة حلب بعد وفاة الأمير قطلوبغا الأحمدي فباشرها نحوا من سنة ونصف، وعزل عنها في شهر رجب سنة ست وستين بالأمير جرجي الناصري الإدريسي، ثم ولي نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قشتمر المنصوري بحكم إحضاره إلى القاهرة، فدام في نيابة طرابلس إلى أن أعيد إلى نيابة حلب عوضا عن قشتمر المنصوري أيضا في سنة إحدى وسبعين وسبعماية، وولي من بعده نيابة طرابلس الأمير أيدمر الدوادار، فباشر نيابة حلب سنتين وعزل في سنة ثلاث وسبعين عنها بالأمير أيدمر الدوادار وأعيد إلى نيابة طرابلس والسواحل عوضا عن أيدمر المذكور، ثم أعيد إلى نيابة حلب مرة ثالثة عوضا عن أيدمر سنة أربع وسبعين، ثم عزل عن نيابة حلب سنة خمس وسبعين بالأمير أيدمر الخوارزمي، وولي نيابة الشام فباشرها أربعة أشهر وعزل وأعيد إلى نيابة حلب، وفي هذه الولاية الرابعة أقام مدة وغزاسيس وفتحها في سنة ست وسبعين وسبعماية، وكان فتحا عظيما. وفيه يقول الشيخ بدر الدين بن حبيب:
الملك الأشرف إقباله ... يهدى له كلّ عزيز نفيس
لما رأى الخضراء في شامه ... تختال والشقراء عجبا تميس
وعاين الشهباء في ملكه ... تجري وتبدي ما يسر الجليس
ساق إلى سوق العدا أدهما ... وساعد الجيش على أخذ سيس
وفي هذا المعنى أيضا يقول العلامة زين الدين بن عمر الوردي:
يا سيد الأمراء فتحك سيسا ... سرّ المسيح وأحزن القسّيسا
والمسلمون بذاك قد فرحوا وقد ... حمدوا عليه الواحد القدّوسا
واستمر الأمير أشقتمر في نيابته هذه إلى أن عزل عنها بالأمير منكلي بغا الأحمدي وقبض عليه وحبس بالإسكندرية مدة، ثم أطلق من السجن ورسم له بالإقامة بالقدس بطّالا، فتوجه إلى القدس فأقام به إلى أن أعيد إلى نيابة حلب خامس مرة عوضا عن الأمير تمرباي الأفضلي الأشرفي سنة إحدى وثمانين، ثم نقل بعد عشرة أشهر إلى نيابة دمشق عوضا عن الأمير بيدمر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وسبعماية إلى أن عزل في شهر المحرم سنة أربع وثمانين ورسم له بالتوجه إلى القدس بطّالا، فدام بالقدس إلى أن أعيد إلى نيابة الشام من قبل الملك الظاهر برقوق في سنة ثمان وثمانين، ثم عزل بعد أربعة أشهر بحكم عجزه ورسم له بالإقامة بحلب بطّالا، فأقام إلى أن توفي بها في شهر شوال سنة إحدى وتسعين وسبعماية.