وقال المقريزي في السلوك: في هذه السنة قدم البريد من حلب بأنه خرجت عساكر حلب وحماة وطرابلس صحبة أقسنقر وصلاح الدين الدوادار إلى جهة سيس
لمنعهم الطاعة، فلقيهم التركمان وأغاروا معهم وأثروا فيهم آثارا قبيحة حتى أذعنوا لحمل الخراج اه.
أقول: المقريزي من الواقفين على الحقايق أكثر من ابن الوردي لقربه من الأمراء المصريين وامتزاجه معهم.
قال ابن الوردي: وفي منتصف شعبان وقعت الزلزلة العظيمة وخربت بحلب وبلادها أماكن ولا سيما منبج، فإنها أقلت ساكنها وأزالت محاسنها، وكذلك قلعة الراوندان، وعملت أنا في ذلك رسالة.
أقول: قد وصف فيها تلك الزلازل وما أثرته من الأضرار وما خربته من الأماكن وقد أثبتها في ديوانه المطبوع وهي:
نعوذ بالله من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها، ونستعينه في طلب الإقامة بها وحسن الرحلة عنها، ثم نستعيذ بالله ونستعين، من سم هذه السنة فهي أم أربعة وأربعين، ذات زلزال بث في بلاد الشام رجله وخيله. وجزم برفع الأرض لما جر ذيله، لا عاد من زلزال، زاغ به العقل وزال، قنت الناس لأجله في الصلوات وأسكنوا من خوفه الصحاري والفلوات:
إذا الدهر خان امرأ ... بهون أذاه يهن
فكم زخرف قد سبا ... إذا زلزلت لم يكن
جاوز ستين يوما، ووعظ بقوم قوما. فإن قيل كيف صبر الجدار على إمساك شهرين متتابعين وما اجتث من أصله، قلت هي كفارة عليه فإنه في نهار رمضان وقع على أهله:
نعوذ بالرحمن من مثلها ... زلزلة أسهرت الأعينا
قد واثبت بالهجم من لا عصى ... وعاقبت بالرجم من لا زنى
حكم عزيز قاهر قادر ... في كل حال لم يزل محسنا
عاينا لها أهوالا تقشعر منها الحجارة وتتفرق، وإن منها لما يشّقق، وإن منها لما يهبط من خشية الله ويغرق. فكم دخل الفاعل والصانع دارا صخرها يابس وذهبها غض، فوجدا
فيها جدارا يريد أن ينقض، وكم سماء قاعة سقط فلن يبرح الأرض، وبناء قصر في الطول إلى يوم العرض. وكم ليلة سهرناها سهر الليالي الهجر، ودعونا الله تعالى أنها سلام هي حتى مطلع الفجر. فنسأل الله أجرا بلا بلاء ونعوذ بالله من بلاء بلا أجر. وما حال من مني بالعكس والطرد، وامتد في كانون عن الكنّ فقصره البرد.