فهرس الكتاب
ولد سنة 1179، ولما ترعرع شرع في تحصيل العلم فقرأ على الشيخ حسن المدرس والشيخ إسماعيل المواهبي والشيخ قاسم المغربي، وقرأ على والده وأخذ الطريقة الرفاعية والشاذلية عنه كما قرأته بخط ولده الشيخ محمد بهاء الدين في إجازته لسيدي العم الشيخ عبد السلام الطباخ، وهي موجودة عندي.
كان رحمه الله عالما فاضلا وأديبا بارعا، ذكر شيئا من ترجمة نفسه في إحدى مجموعتيه اللتين ذكر فيهما عدة تراجم لعلماء عصره، وقد نقلنا عنه جميع ما ذكره كما رأيته معزوا إليه، قال:
إن الذي كان سبب ولعي بطلب العلم وواسطة الفتوح في مدة يسيرة هو الأستاذ الشيخ إسماعيل الكيالي، وذلك أني كنت مع المرحوم سيدي الوالد في زيارته في المكان الذي هو قرب الجامع الكبير قبل أن يعمر زاوية كما قدمته في ترجمة أخيه الشيخ علي، وكنت مراهقا فسألني: أي شيء تقرأه من العلوم؟ فقال له الوالد: الآن مشتغل بالكتابة، قال: ما لنا وللكتابة، نحن مرادنا طلب العلم والتعلم، هذا ألزم لنا من غيره.
ثم إن الوالد تلاقى مع شيخنا مصطفى أفندي الكوراني يوما وهو راجع من قراءة الورد الشاذلي يوم الثلاثاء بعد العصر وذكر له رغبته في حضوري عنده في الرضائية حيث إنه انسلخ من كتابة المحكمة الشرعية وتعين مدرسا هناك، فقال له: أهلا وسهلا، أصير ممتنا، ففي اليوم الثاني وهو الأربعاء بكرت لحضور الدرس ولازمته مدة استقامته في الرضائية واستفدت منه الفضل الكثير في زمن يسير، ولم تطل المدة واصطفى الله مصطفى رحمه الله إلى الدار الآخرة، حشرنا الله وإياه في زمرة الأبرار مع المصطفين الأخيار، والحاصل كان ذلك بنفس الأستاذ قدست أسراره. اهـ.
قال الشيخ أبو الوفا: ولما قدم عبدي باشا الوزير حلب سنة 1194وشرف حضرة شيخنا الشيخ محمد تراب الأوقاتي في ذلك الأثناء ذهب للسلام عليه أكابر الناس والعلماء والمشايخ، ومن الجملة والدي، وكنت صغيرا، فصحبني معه، فلما دخل مجلس الشيخ احترمه وأجلسه مكانه وجلست لصغر سني في آخر المجلس، فصار الشيخ يتكلم مع أبي
وينظر نحوي، ثم قال: إني أشم رائحة طيبة وأظنها من هذا الغلام، فطلبني فتوقفت حياء، فأشار إليّ الوالد فقمت إليه وقبلت يده، فرحب بي وقال: هذه الرائحة الطيبة من هذا الغلام، وصار يتأملني، ثم قال لوالدي: هذا سيصير شيخ هذه التكية فيما بعد. ثم صار بينه وبين الوالد ألفة تامة، وصار في كل جمعة يذهب إلى التكية لحضور الذكر وأكون معه إلى سنة 1199، فطلبني من والدي لأجل أن يحرر لي إجازة الخلافة ويخلفني كما كان أشار إليه سابقا، فتوقف الوالد وتردد إلى أن أجاب بعد أن أخبره أنه مأمور بذلك وإن لم يجبني إلى ذلك يخشى على ولده العطب، فأجاب وحرر الشيخ إجازة الخلافة بأمره، وأطعم اللقمة للمشايخ أرباب التكايا، إلى أن جاءت سنة 1201وصار الطاعون وطعنت من الجملة وشاع الخبر بوفاتي، فذهبوا وأخبروه فلم يصدق، وقال: هذا لا يموت الآن بل يقيم على بسطي مدة طويلة معلومة عندي بسبب أني مأمور بخلافته وأنه يقيم كذا سنة على البسط، ففي هذه الأثناء أتى الخبر أن خبر موته غلط عن موت والدته، وكانت توفيت ذلك اليوم، ثم إنه حضر لعيادتي مع بعض المشايخ وطيب خاطري ورطبني وأقام إلى أوائل المحرم سنة 1206، فاتفق أني كنت عنده ذلك اليوم فقال: يا ولدي أنا بقيت عندك مسافرا وأعيش خمسة عشر يوما بعد هذا اليوم، فقلت: يا سيدي جعلني الله فداك، ما هذه البشارة! فقال: سترى. ثم أصبح في اليوم الثاني موعوك المزاج إلى تمام الخمسة عشر ليلة الجمعة الخامس عشر من المحرم فتوفي ليلتها، وقبل وفاته أوصى أن يدفن في محل خلوته التي يخلو بها حال حياته للذكر ودعا لي، ففي اليوم الثاني باشرنا تجهيزه. ودفناه حيث أوصى قبل صلاة الجمعة رحمه الله تعالى.