قال الشيخ أبو الوفا: ولما قدم عبدي باشا الوزير حلب سنة 1194وشرف حضرة شيخنا الشيخ محمد تراب الأوقاتي في ذلك الأثناء ذهب للسلام عليه أكابر الناس والعلماء والمشايخ، ومن الجملة والدي، وكنت صغيرا، فصحبني معه، فلما دخل مجلس الشيخ احترمه وأجلسه مكانه وجلست لصغر سني في آخر المجلس، فصار الشيخ يتكلم مع أبي
وينظر نحوي، ثم قال: إني أشم رائحة طيبة وأظنها من هذا الغلام، فطلبني فتوقفت حياء، فأشار إليّ الوالد فقمت إليه وقبلت يده، فرحب بي وقال: هذه الرائحة الطيبة من هذا الغلام، وصار يتأملني، ثم قال لوالدي: هذا سيصير شيخ هذه التكية فيما بعد. ثم صار بينه وبين الوالد ألفة تامة، وصار في كل جمعة يذهب إلى التكية لحضور الذكر وأكون معه إلى سنة 1199، فطلبني من والدي لأجل أن يحرر لي إجازة الخلافة ويخلفني كما كان أشار إليه سابقا، فتوقف الوالد وتردد إلى أن أجاب بعد أن أخبره أنه مأمور بذلك وإن لم يجبني إلى ذلك يخشى على ولده العطب، فأجاب وحرر الشيخ إجازة الخلافة بأمره، وأطعم اللقمة للمشايخ أرباب التكايا، إلى أن جاءت سنة 1201وصار الطاعون وطعنت من الجملة وشاع الخبر بوفاتي، فذهبوا وأخبروه فلم يصدق، وقال: هذا لا يموت الآن بل يقيم على بسطي مدة طويلة معلومة عندي بسبب أني مأمور بخلافته وأنه يقيم كذا سنة على البسط، ففي هذه الأثناء أتى الخبر أن خبر موته غلط عن موت والدته، وكانت توفيت ذلك اليوم، ثم إنه حضر لعيادتي مع بعض المشايخ وطيب خاطري ورطبني وأقام إلى أوائل المحرم سنة 1206، فاتفق أني كنت عنده ذلك اليوم فقال: يا ولدي أنا بقيت عندك مسافرا وأعيش خمسة عشر يوما بعد هذا اليوم، فقلت: يا سيدي جعلني الله فداك، ما هذه البشارة! فقال: سترى. ثم أصبح في اليوم الثاني موعوك المزاج إلى تمام الخمسة عشر ليلة الجمعة الخامس عشر من المحرم فتوفي ليلتها، وقبل وفاته أوصى أن يدفن في محل خلوته التي يخلو بها حال حياته للذكر ودعا لي، ففي اليوم الثاني باشرنا تجهيزه. ودفناه حيث أوصى قبل صلاة الجمعة رحمه الله تعالى.
وكان بشرني أن التكية سيكون لها وقت تعمر فيه ويحصل لها وقف يكون فيه إدارة لها، فورد في سنة 1242حضرة رضا علي باشا مع يوسف باشا السيروزلي وكان كتخداه، فتعرض لتعميرها وفوض إلي ذلك، فأصرفت في ذلك بالتدبير والتوفير نحو سبعة آلاف قرش جزاه الله خيرا. ثم عزل يوسف باشا عن ولاية حلب وتوجه معه وغاب مدة، ثم عاد هو واليا بالفرمان، فتعاطى الأحكام وجرى له مع الأهالي مجريات وانتصر عليهم، وجاءته الوزارة، ووقف للتكية دارين يحصل منهما منفعة ودكانا في سوق خان الحرير، ولما تصدى لتعمير التكية بحسن النية عمر الله له دنياه، وخرج من حلب لولاية بغداد لإخراج داود باشا والقبض عليه وإرساله إلى الآستانة، فنجحت أموره وانتصر على داود
باشا وضبط الأموال وأرسله إلى الدولة وحاز بذلك قبولا تاما عند السلطان، وإلى تاريخه وهو سنة 1256وهو والي بغداد منصور اللواء نافذ الأحكام. وكان طلبني سنة 1253 وأرسل لي خرج الطريق، فتوجهت إلى بغداد ومعي ولدي محمد بهاء الدين وزرنا حضرة قطب الدائرة حضرة سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وما في بغداد من المشايخ، وعمت بركاتهم علينا، وحصل لنا من الوزير المشار إليه تمام الإكرام والاحترام والإقبال التام، وعدنا بسلام إلى الوطن والحمد لله، ونرجو الله أن يعمر آخرته كما عمر دنياه لأنه من أهل الاعتقاد التام في أهل الله والتأدب معهم. اهـ.