فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2877

(أقول) : الدائر على ألسنة الناس إلى يومنا هذا عن ابن جبار بالنون، والمتواتر عنه أنه كان رجلا جبارا كاسمه ملأ الشهباء جورا وظلما منه ومن أتباعه وحواشيه وأخذ في مصادرة الناس، ومتى سمع بغني كلفه دفع ما يأمره به من الأكياس (والكيس خمسمائة قرش) فإن لم يدفع أو تأخر عن الدفع أخذه أعوانه إلى القلعة وضربوا عنقه وألقوا برأسه وجثته إلى الخندق، وكان كلما قتل شخصا ضرب مدفعا فإذا سمع في تلك الليلة صوت ثلاثة مدافع علم أن المقتول ثلاثة، وكان الناس يتحدثون في اليوم الثاني أن فلانا (ضربوا طوبه) يعنون أنه قتل، واضطر الناس في ذلك العصر إلى عدم التظاهر بالغنى والله أكبر على من تظاهر بشيء مما أنعم الله به عليه. نعم قد أحسن صنعا في قتل من قتله من الأنكجارية نظرا لما نقل إلينا بالتواتر أيضا من أنهم في ذلك العصر أكثروا من الفساد في الشهباء وخارجها، وكان النساء إذا أردن الخروج إلى الحمام يخرجن مجتمعات مقدار عشرة فأكثر، ومن خرجت منفردة تكون قد عرضت عرضها للهتك، وإذا خرج منهن ثلاث أو أربع فهن على خطر. إلا أنه قتل هؤلاء لا لقطع دابر الفساد وإراحة العباد من أذاهم وشرهم وبسط بساط العدل والأمن في ربوع هذه البلاد بل ليخلفهم هو وأتباعه في سيىء أعمالهم ويحذو حذوهم في شرورهم وتعدياتهم ويزيد عليهم، فكانت حالة الشهباء معه ومع أتباعه بالنسبة إلى حالة الأنكجارية كالمستجير من الرمضاء بالنار. والخلاصة أن ولايته وولاية خورشيد باشا الآتي ذكره والناسج على منواله كانتا أشد الولايات على الشهباء وزمنهما

أشأم الأزمنة، وكثيرا ما كنا نسمع من أفواه الطاعنين في السن يقولون لنا: إنكم الآن في مهد سيدنا عيسى بالنسبة إلى ما كان في زمن ابن جبان وخورشيد باشا.

وتتابع تلك الفتن بين الأنكجارية والسادة وظلم هؤلاء الولاة عطل دولاب التجارة وأوقف سير الصناعة وتقدم الزراعة، فنضبت لذلك منابع الثروة واستولى الفقر والفاقة على البلاد، وأتت بعد ذلك الزلزلة التي كانت سنة 1237وتابع ذلك الفتن التي حصلت في زمن احتلال إبراهيم باشا المصري لهذه البلاد فأثرت تلك العوامل تأثيرا كبيرا في الثروة والعمران وتفرق كثير من الناس في البلاد وتخربت أماكن كثيرة داخل الشهباء وخارجها.

ولاستيلاء الفقر ونضوب منابع الثروة ومهاجرة الكثيرين قلت النفوس، وكنت تجد معظم الحوانيت في الأسواق مغلقة، ويقدر الخبيرون أن نفوس حلب بعد جلاء إبراهيم باشا عن هذه البلاد تقدر بخمسة وسبعين إلى ثمانين ألفا، وقد علمت في حوادث سنة 1094أن شوفاديه دارفيو قدرها ب 280ألفا فلله الأمر من قبل ومن بعد.

زيادة بيان في مظالم ابن جبّان

كتب إلينا طاهر آغا المكانسي ابن محمد آغا نقلا عن والده الذي شاهد أحوال ابن جبان وقتل إبراهيم آغا الحربلي وأغوات الأنجكارية فآثرنا إثباتها لما فيها من التفاصيل، ومنها يتجلى لنا ما كان عليه ابن جبان من الظلم والجور وما كان عليه الحال في ذلك الزمن قال:

لما استقرت أقدام ابن جبان هنا عين اثنين من طرفه يتجسسان على الناس فصارا يقدمان له في كل يوم ورقة تتضمن اسم من ينبغي مصادرته ويقولان إن هذا يستحق جرمين ومقدار الجرم أربعون كيسا، فكان ابن جبان يرسل من طرفه اثنين حاملين للبلطة (نوع من السلاح) فيأتيان بمن أمرا بإحضاره فيزج في الحبس في القلعة ويوضع في رقبته زنجير له شوك ثم يطالب بما قرر عليه وهو جرم أو جرمان أو أكثر، فإذا أحضر ذلك أطلق سبيله ومن لم يعط الجرم في خلال ثلاثة أيام يخنق ليلا ويرمى تجاه باب القلعة، وكلما خنقوا واحدا أطلقوا مدفعا فكان يعلم عدد المخنوقين في هذه الليلة من عدد المدافع، وكانوا لا يمكنون أهالي المخنوق من نقل جثته بل يضعون عسكرا يحافظون تلك الجثث الملقاة في الخندق، وربما أتى بعض أهالي المخنوقين ليلا وحبا على ركبتيه إلى أن يصل إلى قريبه فيحمله أو يحمل عضوا منه إذا كانت أوصاله مقطعة ويصعد به خفية ويذهب فيدفنه. وكان الوالي إذا أراد النزول إلى السوق أمر فزينت له الأسواق نهارا، فينزل ومعه البلطجية والعساكر عن يمينه وشماله فيدور

في الأسواق ومتى أدار الوالي نظره إلى رجل فإن البلطجية يأتون فيضربون رقبة صاحب ذلك الحانوت، يفعل ذلك بثلاثة أو أربعة أشخاص ثم يعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت