فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 2877

اعجبوا للأشرف الغوري الذي ... مذ تناهى ظلمه في القاهره

زال عنه ملكه في ساعة ... خسر الدنيا إذا والآخره

وقد أقامت هذه الواقعة من طلوع الشمس إلى ما بعد الظهر وانتهى الحال إلى الأمر الذي قدره الله تعالى فقتل في تلك الوقعة من عسكر السلطان ابن عثمان ومن عسكر السلطان الغوري ما لا يحصى عدده، فقتل من الأمراء المقدمين ثلاثة وهم الأتابكي سودون العجمي وبيبرس قريب السلطان وأقباي الطويل وأسروا قانصوه ابن السلطان جركس وقتل سيباي نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباي نائب صفد وأصلان نائب حمص وغير ذلك جماعة كثيرة من أمراء دمشق وأمراء حلب وطرابلس، وقتل من أمراء مصر جماعة كثيرة من أمراء الطبلخانات والعشروات والخاصكية، وأكثر من قتل من عسكر مصر المماليك القرانصة ولم يقتل من مماليك الجلبان إلا القليل فإنهم لم يقاتلوا في هذه الواقعة ولا ظهر لهم فروسية ولا جذبوا سيفا ولا هزوا رمحا فكأنهم خشب مسندة، وقتل من أمراء مصر ودمشق وحلب فوق الأربعين أميرا، وقتل في ذلك اليوم القاضي ناظر الجيش عبد القادر القصروي وجماعة كثيرة من الجند، وكانت ساعة يشيب منها الوليد ويذوب لسطوتها الحديد، فكان مرج دابق فيه جثث مرمية وأبدان بلا رؤوس ووجوه معفرة بالتراب قد تغيرت

محاسنها، وصار في ذلك المكان خيول مرمية موتى وسروج مفرقة وسيوف مسقطة بذهب وبركستونات فولاذ بذهب وخوذ وزرديات وبقج قماش فلم يلتفت إليها أحد وكل من العسكرين قد اشتغل بما هو أهم من ذلك.

ثم إن السلطان سليما زحف بعسكره وأتى إلى وطاق السلطان فنزل في خيامه وجلس في المدورة واحتوى على الطشتخاناه وما فيها من الأواني الفاخرة وعلى الزردخاناه وما فيها من السلاح وعلى خزائن المال والتحف، ونزل كل أمير من أمرائه في وطاق أمير من أمراء الغوري واحتوى على ما فيها فاحتوى على وطاق خمسة عشر أميرا مقدمي ألوف خارجا عن أمراء الطبلخانات والعشراوات، واحتوى العسكر على خيام العسكر المصري والشامي والحلبي وغير ذلك. ولم يقع قط لأحد من سلاطين مصر مثل هذه الكائنة ومات تحت صنجقه في يوم واحد وانكسر على هذا الوجه أبدا ولا سمع بمثل ذلك ونهب ماله وبركه بيد عدوه غير قانصوه الغوري وكان ذلك في الكتاب مسطورا، وكان السلطان والأمراء ما منهم أحد ينظر في مصالح المسلمين بعين العدل والإنصاف فردت عليهم أعمالهم ونياتهم وسلط عليهم ابن عثمان حتى جرى لهم ما جرى كما قيل في المعنى:

أين الملوك الألى في الأرض قد ظلموا ... والله منهم لقد أخلى أماكنهم

قال: التقى الجمعان في مرج دابق وباتوا تلك الليلة على غير حرب ولكن لم يهنأ لأحد منهم نوم خوفا من مكر بعضهم لبعض.

ولما اتضح نهار يوم الأحد الموافق للثالث والعشرين من رجب (تقدم أنه كان موافقا للخامس والعشرين منه) ركبوا كالبحر الزاخر فإذا صفوف العثمانية قد بانت صفا بعد صف خارجا عن الوصف والأعلام الملونة من اليسار والميمنة وهم سائرون كالبحر السيال وقد رتبوا الصف من كل طرف، ثم طيروا من الطرف الكبير الذي فيه السلطان سليم مدفعا كبيرا كالبرق الخاطف والرعد القاصف تزلزلت منه تلك الصحراء وطلع دخان كالجبال الزرقاء، فكان أول من بادر العثمانية بالحرب من طائفة الجراكسة أصلان بن بداق نائب حمص أخذ قنطاريته بيده وأطلق عنان جواده وصار يطعن في الفرسان يمينا وشمالا، فلما

رأى الأمراء فعل أصلان بن بداق في حملته أخذتهم الحمية فحمل الأمير سيباي نائب الشام ثم حمل أمير كبير سودون العجمي ومماليكه خلفه نحو الألف ملبسين، ثم حمل الأمير جانبلاط أبو ترسين ثم الأمير علان دوادار ثاني، ثم حمل قانصوه ابن السلطان جركس، ثم حمل كرتباي الوالي وكان فارس المنايا لله دره من شجاع، ثم حمل تمر الزردكاش وبخشباي أمير مجلس والأمير أنسباي حاجب الحجاب والأمير قانصوه كارت والأمير تاني بك الخازندار والأمير تاني بك النجمي والأمير بيبرس ابن عم السلطان الغوري والأمير قانصوه أبو سنة والأمير الفاخر والأمير خير بك المعمار والأمير جانبر دي نائب بيروت والأمير جانبر دي الغزالي وخير بك نائب حلب، وكلاهما كانا رأس المتعصبين على الغوري، والأمير تمراز نائب طرابلس، وحملوا جماعتهم حملة واحدة وصادموا الروم ومالوا في القتال والروم الآخرون لاقوهم كالأسود. قال الشيخ أحمد بن زنبل المحلي: ولم نر في التواريخ القديمة والحديثة وقعة مثل هذه الوقعة ولا اجتمع فيها مثل هذين العسكرين ولا أكثر عددا. قال: ولم يقاتل في هذا اليوم من الجراكسة أكثر من ألفي فارس وهم الأمراء الذين قدمنا ذكرهم وأتباعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت