ولم يزل رحمه الله على سكونه وورعه وزهده وانجماعه عن الناس وتعبده وتهجده
والعناية بالوعظ والإرشاد إلى أن توفي في صفر سنة 1314ودفن في تربة الشيخ جاكير خارج باب المقام.
الشيخ يحيى أفندي مفتي أنطاكية، عالم زمانه وإمام أهل وقته وأوانه.
ولد سنة 1230تقريبا، ومنذ نشأ أقبل على العبادة والطلب، فبرع وفاق، واشتهر في الآفاق، وتفنن في العلوم، وبرع في فنّي المنطوق والمفهوم، وأقبل الناس عليه، للاستفادة منه والنظر إليه. وأخذ عن مشايخ ذوي رتب سامية، أسانيدهم في الأخذ عالية.
ولما رأوا منه المعرفة التامة، أجازوه بالإجازة العامة. ثم ولي منصب الإفتاء بأنطاكية، وله بإقليمها شهرة عالية، وله معرفة بالسياسة قوية، ومهارة بالألسنة الثلاث العربية والتركية والفارسية. ونظره في الأمور دقيق، مقصود في الاستشارة لكل بعيد أو قريب أو عدو أو صديق.
وفي سنة ثلاثمائة واثنتين بعد الألف جاء إلى حلب جميل باشا واليا عليها، وكان له شدة عظيمة على أهل الرئاسة في حلب وما يتبعها من بقية الولاية، فاضطر المترجم أن يخرج من محله وأن يخرج من الولاية، فرحل إلى دمشق واتصل برؤوسها وولاتها وأكابرها وذواتها.
وله محاضرة عجيبة وحافظة غريبة، فكثيرا ما كان يستشهد تارة في العربية وتارة في التركية وتارة في الفارسية بأبيات لطيفة رقيقة ذات معان أنيقة. وله حكايات ونوادر تشهد له أنه في الأدب له المقام النادر، ومعرفته في الشطرنج حظها وافر، فكان كثيرا ما يلعب به مع الحكام والأكابر. وكانت لي معه الصحبة الوافرة والمحبة المتكاثرة، والمباحثة والمذاكرة والمسامرة والمحاضرة. وقد أخبرني بأنه ولد في الشام حين كان أبوه بها مستقيما، ثم عاد به أبوه إلى وطنه المذكور. ثم إنه لا زال في الشام يعلو مقامه وينمو احترامه، إلى أن وقع بينه وبين حسين فوزي باشا بعض منافرة، وكان قد عزل جميل باشا من حلب، فرجع إلى وطنه وذلك سنة ألف وثلاثمائة وخمس أطال الله بقاه. اهـ. (حلية البشر للبيطار) .
أقول: كانت وفاته كما كتب لنا من أنطاكية أول ليلة من رمضان سنة 1314عن اثنين
وسبعين عاما، فتكون ولادته على التحقيق سنة 1242، رحمه الله تعالى.