قال ابن الوردي: في المحرم طلب الحاج أرقطاي نائب حلب إلى مصر، وفي ربيع الأول وصل إلى حلب الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي نائبا نقل إليها من حماة. وفي جمادى الأولى سافر القاضي ناصر الدين محمد بن الصاحب شرف الدين يعقوب وولي
كتابة السر بدمشق، وتولى كتابة السر بحلب مكانه القاضي جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود الحلبي. وفي رجب سافر طقتمر الأحمدي نائب حلب إلى الديار المصرية وسببه وحشة بينه وبين نائب الشام.
قال المقريزي في السلوك: وفي ذي القعدة قدم الأمير طقتمر الصلاحي من حلب وهو أحد خواص الكامل، ثم أخرج لنيابة حمص فمات بها.
قال ابن الوردي: وفي شعبان وصل إلى حلب الأمير سيف الدين بيدمر البدري نقل إليها من طرابلس.
قال ابن الوردي: وفي ذي الحجة صدرت بحلب واقعة غريبة وهي أن بنتا بكرا من أولاد أولاد عمرو التيزيني كرهت زوجها ابن المقصوص فلقنت كلمة الكفر لينفسخ نكاحها قبل الدخول، فقالتها وهي لا تعلم معناها، فأحضرها البدري بدار العدل بحلب وأمر فقطعت أذناها وشعرها وعلق ذلك في عنقها وشق أنفها وطيف بها على دابة بحلب وبتيزين، وهي من أجمل البنات وأحياهن، فشق ذلك على الناس وعمل النساء عليها عزاء في كل ناحية بحلب حتى نساء اليهود، وأنكرت القلوب قبح ذلك وما أفلح البدري بعدها. قلت:
وضج الناس من بدر منير ... يطوف مشرعا بين الرجال
ذكرت ولا سواء بها السبايا ... وقد طافوا بهن على الجمال
وفيه ورد البريد بتولية السيد علاء الدين علي بن زهرة الحسيني نقابة الأشراف بحلب مكان ابن عمه الأمير شمس الدين حسن بن السيد بدر الدين محمد بن زهرة، وأعطي هذا إمارة طبلخانات بحلب.
قال المقريزي في كتاب السلوك في حوادث سنة 748: واتفق بمدينة حلب أن الأمير بيدمر البدري لما قدمها ترفع على الأمراء وعزل الولاة والمباشرين بعد ما أخذ تقادمهم
واستبدل بهم غيرهم بمال قاموا له به، واشتدت وطأة حاشيته على الناس بظلمهم وسوء معاملتهم. ثم بلغه أن رجلا من الأعيان مات عن ابنة وترك مالا جزيلا وأوصى أن تتزوج ابنته بابن عمها، فرغب بعض الناس في زواجها وبذل لأوليائها مالا كثيرا حتى زوجوها منه بغير رضاها، فلم ترض به وكرهته كراهة زائدة حتى قالت لأهلها: إن لم تطلقوني منه وإلا كفرت، فأحضروها إلى بعض القضاة وجددوا إسلامها، فطلب الأمير بيدمر ابن عمها وضربه بالمقارع ضربا مبرحا وضرب المرأة أيضا ضربا شنيعا وقطع أنفها وأذنيها وشهرها بحلب، فتألم الناس لها ألما كثيرا، ووصل خبرها إلى أمراء مصر فقام صمغار وقرابغا وأصحابهما قياما كثيرا في الإنكار على بيدمر. وصادف مع ذلك وصول كتاب نائب الروم بأن يتوجه إليه ويقيم عنده فظفر بقاصده واحد من الكتاب وقبض على ابن طشتمر وسجنه بالقلعة فأجيب بالشكر والثناء، وكتب إليه أصحابه بأن يبعث تقدمة للسلطان حتى يتهيأ نقلته إلى غير صفد، فبعث سبعة أفراس وعقد جوهر بمائة ألف درهم وغير ذلك من الأصناف، فأعجبت السلطان وشكره، فأخذ صمغار وقرابغا وأصحابهما في ذكر بيدمر نائب حلب وكراهة الناس له وما فعله بالمرأة وابن عمها وتحسين ولاية أرغون شاه عوضه، فإنه سار في أهل صفد سيرة جميلة ولم يقبل لأحد تقدمة وجلس للحكم بين الناس وأنصف في حكمه حتى أحبه أهل صفد، فرسم بقدوم أرغون شاه ليستقر في نيابة حلب وحضور الأمير بيدمر من حلب، فقدم أرغون شاه صحبة طنيرق وأكرمه السلطان وخلع عليه تاسع عشر صفر بنيابة حلب عوضا عن بيدمر البدري، ورسم أن لا يكون لنائب الشام عليه حكم وأن يكون مكاتبا للسلطان، وكتب لنائب الشام بذلك.