فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 2877

ولما استقر شمس الدين بمنبج سار إليها الملك الظاهر صاحب حلب وحصرها وملك منبج وعصى عبد الملك بن المقدم بالقلعة، فحصره ونزل عبد الملك بالأمان، فاعتقله الملك الظاهر وملك قلعة منبج، وبعد أن فرغ من منبج سار إلى قلعة نجم وبها نائب ابن المقدم فحصرها وملكها في آخر رجب من هذه السنة. وأرسل الملك الظاهر إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل منبج وقلعة نجم على أن يصير معه على الملك العادل، فاعتذر صاحب حماة باليمين التي في عنقه للملك العادل، فلما أيس الملك الظاهر منه سار إلى المعرة وأقطع بلادها واستولى على كفر طاب وكانت لابن المقدم، ثم سار إلى فامية وبها قراقوش نائب ابن المقدم، وأرسل الملك الظاهر من أحضر عبد الملك بن المقدم من حلب وكان معتقلا بها، وأحضر معه أصحابه الذين اعتقلهم وضربهم قدام قراقوش ليسلم أفامية، فامتنع قراقوش، فأمر الملك الظاهر بضرب عبد الملك بن المقدم فضرب ضربا شديدا وبقي يستغيث، فأمر قراقوش فضربت النقارات على قلعة فامية لئلا يسمع أهل البلد صراخه، ولم يسلم القلعة فرحل عنها الملك الظاهر وتوجه إلى حماة وحاصرها لثلاث بقين من شعبان من هذه السنة، ونزل شمالي البلد وشعث التربة التقوية وبعض البساتين وزحف من جهة الباب الغربي وقاتل قتالا شديدا، ثم زحف في آخر شعبان من الباب الغربي والباب القبلي وباب العميان وجرى فيه قتال شديد وجرح الملك الظاهر بسهم في ساقه، واستمرت الحرب إلى أيام من رمضان، فلما لم يحصل على غرض صالح الملك المنصور على مال يحمله إليه قيل إنه ثلاثون

ألف دينار صورية، ثم رحل الملك الظاهر إلى دمشق وبها الملك المعظم بن الملك العادل فنازلها الملك الظاهر هو وأخوه الملك الأفضل وانضم إليهما فارس الدين ميمون القصري صاحب نابلس ومن وافقه من الأمراء الصلاحية، واستقرت القاعدة بين الأخوين الأفضل والظاهر أنهما متى ملكا دمشق يتسلمها الملك الأفضل ثم يسيران ويأخذان مصر من الملك العادل ويتسلمها الملك الأفضل، وتسلم دمشق حينئذ إلى الملك الظاهر صاحب حلب بحيث تبقى مصر للملك الأفضل ويصير الشام جميعه للملك الظاهر. وكان قد تخلف من أكابر الأمراء الصلاحية عنهما فخر الدين جهاركس وزين الدين قراجة، فأرسل الملك الأفضل وسلم صرخد إلى زين الدين قراجة، ونقل الملك الأفضل والدته وأهله إلى حمص عند شيركوه، وبلغ الملك العادل حصار الأخوين دمشق فخرج بعساكر مصر وأقام بنابلس ولم يجسر على قتالهما، واشتدت مضايقة الملكين الأفضل والظاهر لدمشق وتعلق النقّابون بسورها، فلما شاهد الملك الظاهر ذلك حسد أخاه الملك الأفضل على دمشق وقال له:

أريد أن تسلم إلي دمشق الآن، فقال له الأفضل: إن حريمي حريمك وهم على الأرض وليس لنا موضع نقيم فيه، وهب هذه البلدة لك فاجعله لي إلى حين تملك مصر وتأخذه، فامتنع الظاهر من قبول ذلك، وكان قتال العسكر والأمراء الصلاحية إنما كان لأجل الأفضل فقال لهم الأفضل: إن كان قتالكم لأجلي فاتركوا القتال وصالحوا الملك العادل، وإن كان قتالكم لأجل أخي الملك الظاهر فأنتم وإياه، فقالوا: إنما قتالنا لأجلك، وتخلوا عن القتال.

(قال ابن الأثير) : وكان الناس كلهم يريدون الأفضل فقالوا: ما نريد سواك والعادل أحب إلينا من أخيك، فأذن لهم في العود فهرب فخر الدين جهاركس وزين الدين قراجا الذي أعطاه الأفضل صرخد، فمنهم من دخل دمشق ومنهم من عاد إلى إقطاعه، فلما انفسخ الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل فترددت الرسل بينهم واستقر الصلح على أن يكون للظاهر منبج وأفامية وكفر طاب وقرى معينة من المعرة، ويكون للأفضل سميساط وسروج ورأس العين وحملين، ورحلوا عن دمشق أول المحرم سنة ثمان وتسعين.

قال أبو الفداء: في هذه السنة بعد رحيل الملك الأفضل والظاهر عن دمشق كما ذكرنا، قدم إليها الملك العادل، وكان قد سار ميمون القصري مع الملك الظاهر فأقطعه أعزاز، وفيها خرب الملك الظاهر قلعة منبج خوفا من انتزاعها منه، وأقطع منبج بعد ذلك

عماد الدين أحمد بن يوسف الدين علي بن أحمد المشطوب (1) ، وفيها أرسل قراقوش نائب عبد الملك بن محمد بن عبد الملك بن المقدم بفامية إلى الملك الظاهر يبذل له تسليم فامية بشرط أن يعطي شمس الدين عبد الملك بن المقدم إقطاعا يرضاه، فأقطعه الملك الظاهر الراوندان وكفر طاب ومفردة المعرة وهو عشرون ضيعة معينة من بلاد المعرة وتسلم فامية، ثم إن عبد الملك عصى بالراوندان فسار إليه الظاهر واستنزله منها وأبعده فلحق عبد الملك بالملك العادل فأحسن إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت