سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست سنين ونصفا. وأقيم في السلطنة بعده الملك الظاهر أبو النصر سيف الدين بلباي المؤيدي ولم يتم أمره في السلطنة وبان عليه العجز، فخلع سابع جمادى الأولى من هذه السنة، وكانت مدة سلطنته شهرين إلا أربعة أيام، ثم وقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة الأتابكي تمربغا فأقيم في السلطنة سابع جمادي الأولى، ثم خلع سادس رجب وأقيم في السلطنة قايتباي المحمودي ولقب بالملك الأشرف وله من العمر خمس وخمسون سنة.
قال في تحف الأنباء: وفي ربيع الأول أتت الأخبار إلى مصر بأن شاه سوار قد كسر العسكر الشامي والحلبي وقتل كثيرين من الأعيان واستولى على عدة مدن وقلاع وأسر برد بك الجمدار نائب دمشق وقتل قاني باي الحسني نائب طرابلس وقراجا الظاهري أتابك دمشق ونوروز المحمودي أحد المقدمين الألوف بحلب وألماس الأشرفي أتابك حلب ومحمد غريب الأستادار بحلب، ومن العسكر ما لا يحصى، وهذا أول استظهار شاه سوار على العسكر وأول فتكه بهم.
وفي ربيع الآخر تخلص بردبك الجمدار من أسر شاه سوار وهرب وأتى إلى القاهرة واختفى، فإنه كان سببا في كسرة العسكر لأنه كان متواطئا مع سوار في الباطن، فقبض عليه السلطان وأرسله إلى القدس وسجنه بها.
وفي جمادى الأولى أرسل إزبك بن ططخ نائب الشام يشفع عند السلطان في برد بك الجمدار بأن يعاد إلى نيابة حلب، فأجابه إلى ذلك وأعاده إلى نيابتها.
قدمنا أن في هذا الشهر أقيم في السلطنة الملك الأشرف قايتباي. (قال ابن إياس) : بعد أن أقيم في السلطنة أخذ في عرض العساكر بسبب التجريدة لسوار واستمر جالسا على الدكة وهو يعرض ويكتب إلى ما بعد العصر، ثم ضيق على أولاد الناس وألزمهم بالسفر إلى سوار أو يقيموا لهم بدلا، فصار يأخذ من كل واحد إن كان لا يسافر مائة دينار عوضا عن البديل إلى السفر، وقرر على جماعة من المباشرين جملة مال وأمرهم
بإحضاره بسرعة ليستعين به على نفقة العسكر، وهذه أول شدة وقعت منه في حق الناس، فلما تكامل حضور المال حملت النفقات للأمراء المعينين للسفر فحمل للأتابكي جاني بك قلقسيز أربعة آلاف دينار ولبقية الأمراء المقدمين لكل واحد ثلاثة آلاف دينار وللأمراء الطبلخانات لكل واحد خمسمائة دينار وللأمراء العشراوات لكل واحد مائتا دينار، وأنفق على الجند لكل واحد من المماليك مائة دينار.