ولما كانت النفوس تتوق إلى معرفة قلعة حلب تلك القلعة العظيمة ذات الشأن الخطير والقدر الرفيع أحببت أن أختم هذا الجزء بذكر ما كتبه المؤرخون عنها، وأتبع ذلك بوصف حالتها الحاضرة، وأتبع ذلك بالكلام على حمّامات حلب القديمة والموجودة الآن، وأذكر جدولا في عدد دور حلب وبقية أماكنها، وجدولا في عدد نفوسها ونفوس معاملاتها الآن والأعمال التي قامت بها دائرة الأشغال العامة، وأختم الكلام فيه بما قاله فحول الشعراء في مديح الشهباء من النظم البديع الدال على رفعة شأنها وعظيم قدرها فأقول:
قال أبو ذر في كنوز الذهب: اعلم أن القلعة التي بحلب قيل أول من بناها ميخائيل وقيل سلقوس الذي بنى حلب، وهي على جبل مشرف على المدينة وعليها سور وبه أبراج، وكان قديما عليها بابان من حديد أحدهما دون الآخر كذا قاله أحمد ابن الطبيب الذي نكبه المعتضد، والآن عليها خمسة أبواب ثلاثة من حديد خالص واثنان محددان، وهذان البابان والبرج الذي عليهما جددهما دمرداش كافل حلب بعد فتنة تيمور وأخرب أماكن بحلب ونقل أحجارها لعمارة هذا البرج، فمن ذلك خان القوّاسين نقل أعمدته وجعل بين هذا البرج وبين البلد خلوا يوضع عليه سقالة من الخشب يمر عليها الصاعد للقلعة وعليه مشط من الحديد يرفع وينزل في عجلات، وهو باب سادس خارج الأبواب بحيث إذا هجم أحد على باب القلعة أرخي هذا المشط وبقي من هجم داخل المشط انتهى.
وقد تقدم أن الخليل عليه السلام كان قد وضع أثقاله بتل القلعة وكان يقيم به ويبث الرعاة إلى تل الفرات والجبل الأسود ويجلس بعض الرعاة بما معهم عنده ويأمر بحلب ما معه واتخاذ الأطعمة ويفرقها على الضعفاء والمساكين، وبها مقامان له صلّى الله عليه وسلّم.
وقال الهروي: بقلعة حلب مقام إبراهيم، أما المقام الأعلى فهو الذي تقام فيه الجمعة وبه صندوق وبه قطعة من رأس يحيى عليه السلام ظهرت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وأما المقام الثاني فكان موضعه كنيسة للنصارى إلى أيام بني مرداس، وكان فيه المذبح الذي قرب إبراهيم عليه السلام فغيرت بعد ذلك وجعلت مسجدا وجدد عمارته نور الدين الشهيد ووقف عليه وقفا ورتب فيه مدرسا يدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة. وقال ابن بطلان: في القلعة مسجد وكنيستان وفي إحداهما المذبح.