وقد وضع أبو العلاء كتابا وسمه ب «زجر النابح» أبطل فيه طعن المزري عليه والقادح، وبين فيه عذره الصحيح وإيمانه الصريح ووجه كلامه الفصيح، ثم أتبع ذلك بكتاب وسمه ب «نجر الزجر» بين فيه مواضع طعنوا بها عليه بيان الفجر، فلم يمنعهم زجره ولا اتضح لهم عذره، بل تحقق عندهم كفره واجترؤوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا في أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا علمه، ولا راقبوا إلّا ولا ذمة، حتى حكوا كفره بالأسانيد وشددوا في ذلك غاية التشديد، وكفّره من
جاء بعدهم بالتقليد، فابتدرت دونه مناضلا، وانتصبت عنه مجادلا، وانتدبت لمحاسنه ناقلا، وذكرت في هذا الكتاب مولده ونسبه، وتحصيله للعلم وطلبه، ودينه الصحيح ومذهبه، وورعه الشديد وزهده، واجتهاده القوي وجده، وطعن القادح فيه ورده، ودفع الظلم عنه وصده، وسميته (كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري) وبالله التوفيق والعصمة، وإليه المرجع في كل وصمة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان ابن داود ابن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أسحم ابن النعمان، وهو الساطع بن عدي بن عبد عطفان بن عمرو بن بريخ بن جذيمة ابن تيم اللات، وقيل تيم الله، وهو مجتمع تنوخ بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران ابن الحاف ابن قضاعة، وهو لقب، واسمه عمرو بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير، وهو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهو مجتمع قبائل اليمن، ابن عابر وقيل هو هود عليه السلام بن شالخ، وقيل شالح، وقيل سايح بن أرفخشد، وقيل رافد ابن سام، وقيل سائم بن نوح عليه السلام بن لمك، وقيل لامك، وقيل لامخ، وقيل ملكان ابن متوشلخ، وقيل متوشلح، وقيل متوب ابن أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام، وقيل حنوح، وقيل حنوخ بن يازد، وقيل يزد، وقيل الزايد، وقيل اليادر بن مهلائيل، وقيل ماهللأل، وقيل مهلهل بن قينان، وقيل قنان بن طاهر، وهو أنوش بن هبة، وهو شيث ابن آدم عليه السلام.
وقحطان هو مجتمع قبائل اليمن بأسرها، وتيم اللات مجتمع تنوخ بأسرها، وإنما سموا تنوخ لأنهم تنخوا بالشام، وقيل بالحيرة أي أقاموا، والتنخ هو المقام في الموضع، يقال تنخ في الأمر أي رسخ فيه فهو تانخ. وكانوا أقاموا على مالك بن زهير بن عمرو بن فهم ابن تيم اللات ونزلوا معه الحيرة فاختطوها وبنوا فيها الأبنية وعمروها، وهم أول من عمر الحيرة ونزلها، وكان لهم قوة وبأس وغناء وكثرة، فغزاهم سابور الأكبر ملك فارس في جيوش عظيمة، فقاتلوه قتالا شديدا ولم تزل الحرب بينهم أياما، فلحقت بسابور جيوشه
وأمراؤه فضعفت تنوخ عن مقاومته وانكشفت، فسار معظمهم ومن فيه نهوض منهم إلى الضيزن بن معاوية التنوخي إلى الحضر (1) فأقاموا به، وملكوا ما جاورهم من البلاد وأجلوا سائر الأمم عنها، إلا من أدى إليهم الجزية، فاشتدت شوكة تنوخ وعظم بأسهم، فملّكوا عليهم الساطع وهو النعمان بن عدي، وإنما سمي الساطع لجماله وبهائه، وكان طويلا وسيما جسيما جوادا شجاعا، فملك عليهم برهة، وكانت له حروب ووقائع مع ملوك الفرس، وشن الغارات على السواد، فسميت تنوخ يومئذ الدواسر لما ظهر من شدتهم بأسهم.