فهرس الكتاب

الصفحة 993 من 2877

وقحطان هو مجتمع قبائل اليمن بأسرها، وتيم اللات مجتمع تنوخ بأسرها، وإنما سموا تنوخ لأنهم تنخوا بالشام، وقيل بالحيرة أي أقاموا، والتنخ هو المقام في الموضع، يقال تنخ في الأمر أي رسخ فيه فهو تانخ. وكانوا أقاموا على مالك بن زهير بن عمرو بن فهم ابن تيم اللات ونزلوا معه الحيرة فاختطوها وبنوا فيها الأبنية وعمروها، وهم أول من عمر الحيرة ونزلها، وكان لهم قوة وبأس وغناء وكثرة، فغزاهم سابور الأكبر ملك فارس في جيوش عظيمة، فقاتلوه قتالا شديدا ولم تزل الحرب بينهم أياما، فلحقت بسابور جيوشه

وأمراؤه فضعفت تنوخ عن مقاومته وانكشفت، فسار معظمهم ومن فيه نهوض منهم إلى الضيزن بن معاوية التنوخي إلى الحضر [1] فأقاموا به، وملكوا ما جاورهم من البلاد وأجلوا سائر الأمم عنها، إلا من أدى إليهم الجزية، فاشتدت شوكة تنوخ وعظم بأسهم، فملّكوا عليهم الساطع وهو النعمان بن عدي، وإنما سمي الساطع لجماله وبهائه، وكان طويلا وسيما جسيما جوادا شجاعا، فملك عليهم برهة، وكانت له حروب ووقائع مع ملوك الفرس، وشن الغارات على السواد، فسميت تنوخ يومئذ الدواسر لما ظهر من شدتهم بأسهم.

وبعض الجهال يقول: إن معرة النعمان تنسب إليه، وليس بصحيح بل تنسب إلى النعمان بن بشير الأنصاري، وكان واليا على حمص وقنسرين في ولاية معاوية وابنه يزيد، ومات للنعمان بها ولد، وجدد عمارتها فنسبت إليه، وكانت تسمى أولا ذات القصور، وقيل إن سياث كانت المدينة وهي آهلة، (فخرج ابن للنعمان بشير يتصيد، وكان موضع المعرة أجمة، فافترسه السبع، فجزع عليه) [2] وبنى له موضعا عند قبره فبنى الناس لبنائه فنسبت معرة النعمان إليه لذلك، وإنما نسبت الجهال المعرة إلى النعمان بن عدي المعروف بالساطع لأن أهلها كلهم أو بعضهم من بني الساطع، فظنوا أنها منسوبة إليه.

ولما هلك الساطع تفرقت كلمة تنوخ وتشتت أمرهم وتنازعوا الرياسة بعده.

ثم إن ملك الفرس غزا الروم فأذرع فيهم القتل وسبي الذراري وخرب العماير، فأنفذ ملك الروم إلى تنوخ وكانت أقرب القبائل إليه في ذلك العصر فاستنجدهم على ملك الفرس، فأنجدوه وقاتلوا معه قتالا شديدا، ثم سألوا ملك الروم أن يتولوا حرب الفرس منفردين عن جند الروم لتظهر له طاعتهم وعناؤهم، فأجابهم إلى ذلك فقاتلوا الفرس وظفروا بهم وقتلوهم قتلا ذريعا وأبلوا بلاء عظيما، فأعجب بهم ملك الروم وفرق فيهم الدنانير والثياب وقربهم وأدناهم وأقطعهم سورية وما جاورها من البلاد إلى الجزيرة، وهي مدينة بقرب الأحصّ على جانب البرية وإليها ينسب اللسان السورياني. هذا منتهى أمرهم في الجاهلية.

فلما جاء الإسلام قدموا مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وكانوا أشد من معه من العرب شوكة وأكثرهم عددا، فانتخوا [3] البلاد واختطوا الخطط ونزلوا قنسرين

(1) الحضر: بفتح الحاء وسكون الضاد: مدينة بإزاء تكريت.

(2) ما بين قوسين زيادة أخل بها الأصل.

(3) لعلها: فانتجعوا، كما ضبطت في الطبعة المصرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت