وفي «عيون الأخبار» للزين الشماع أنه قدم يوما إلى مسجد الزين فتداكرا شيئا، إلى أن مر بهما حديث (أكثر أهل الجنة البله) فسأله عن معناه فأجاب قائلا: وقفت على كلام فيه لشيخ شيوخي سعد الدين ابن الديري الحنفي، وحاصل ما استحضرته الآن من كلامه أن المراد البله في أمر الدنيا وهو من يحسن الصلاة والصيام ونحو ذلك بالأركان والشروط المقررة في الشريعة، وأما أمور الدنيا فتراه لعدم اكتراثه بها غير عارف بها، فهو كالأبله بالنسبة إلى معرفتها، وليس المراد بالبله الذين لا يتحاشون النجاسة ولا يفعلون العبادة، فهؤلاء ساقطون لعدم تكليفهم. قال الزين: فاستحسنه الشمس المنيّر، غير أنه قال: هو غير واف بقوله: إنهم أكثر أهل الجنة، لأنه ليس أكثر الناس بهذه الصفة كما هو مشاهد. ثم أفاد أنه سمع من بعض الفضلاء أن البله هم الذين توجهوا في العبادة لطلب الجنة كما هو المقصود للجم الغفير يتوجهون إلى طلب الجنة، ومن فعل ذلك وغفل عن المولى والفوز بالنظر إلى وجهه الكريم وتوجه فكره إلى طلب الجنة ونعيمها ولذاته فهو الأبله، وعلى هذا يستقيم الحديث، فإن أكثر الناس بهذه الصفة، والذين محضوا العبادة
لرضى المولى ولم يقصدوا سوى ربهم، وهم الأفراد من العارفين والصديقين، أعاد الله علينا من بركاتهم وألهمنا سلوك طريقهم بمنه وكرمه. انتهى كلامه.
وفي تعليل الشيخ المنيّر بقوله: إنه ليس أكثر الناس بهذه الصفة نظر، إذ ليس أهل الجنة جميع الناس، حتى إذا لم يكن أكثرهم بهذه الصفة لم يكن أكثر أهل الجنة بهذه الصفة فيثبت المطلوب. نعم ليس أكثر المحسنين لما ذكر غير العارفين بأمور الدنيا، بل أكثرهم العارفون بها الذين هم كالبله.
واتفق أن الشيخ المنير قدم هذه البلاد غير مختتن، فختن نفسه بيده.
وكانت وفاته سنة خمسين وتسعمائة.
حسن بن صالح بن سلامة السرميني مولدا، الإدلبي الحلبي الشافعي السرميني الصوفي الأديب بدر الدين.
ذكره شيخنا جار الله بن فهد المكي في «معجم الشعراء» الذين سمع منهم الشعر وقال:
إنه ولد في حدود الثمانين والثمانماية بسرمين ونشأ بها عند أمه لموت والده حتى بلغ، ثم ارتحل إلى الشام فزار بيت المقدس، ودخل القاهرة وأقام بجامع الأزهر أربع سنين واشتغل بالعلم ولازم جماعة، منهم الشيخ نور الدين المحلي، وتردد للقاضي زكريا، ثم ذهب لمكة في سنة ثلاث عشرة وتسعماية وأقام بها سبع سنين متوالية وقرأ بها العلم. قال: وقرأ على الوالد جانبا من صحيح البخاري، ونظم ونثر. انتهى كلامه.
ومن شعره ما مدح به عمّي الكمال الشافعي حيث قال في مطلع قصيدة:
وهيفاء التثني في الكثيب ... تميس بقامة الغصن الرطيب
تريك البدر إذ تبدو محيّا ... بمثل معاطف الرشأ الربيب
تجنّت في الهوى عمدا فصدّت ... ولم تعطف على الصب الكئيب
وقد كانت تواصل من بعيد ... وقد صارت تقاطع من قريب
ومنها: