تولى قضاء كلز في الدولة الجركسية، واتفقت له بها حادثة في سنة أربع وثمانين وثمانمائة هي أن الكيخيا بها عمر بن ككجا والد الشيخ محمد الآتي ذكره كان قد وقع بينه وبينه خصومة آلت إلى أن ضربه على رأسه، فحضر إلى حلب شاكيا عليه، فبعث على إثره كتابا بما تمج الأسماع ذكره لبعض أركان الدولة، ثم اتفق حضور جدي الجمال الحنبلي وقاضي الحنفية بحلب الشهاب ابن الحلاوي بمجلس حاجب الحجاب بحلب ومعهما القاضي علاء الدين، فلما استقروا به طلب السكر فسقاهم، ثم استدعى الكيخيا، فلما حضر قام له وتكلف القاضيان القيام فطلب صاحب المجلس الصلح، فقال له جدي: ما كان الأمل منك يا أمير أن نفعل هذا وتكون سببا لإهانة هذه الطائفة، هذا الرجل جزاؤه أن
يضرب ويشهر ويهان حق الإهانة. ثم نفر من عنده القاضيان فتوجها إلى قاضي الشافعية العز ابن الحسفاوي وعرفاه بما جرى، فأمرهما بالامتناع من الحكم فامتنعوا هم وقاضي المالكية عنه، وأرسل هو إلى مكاتب العدول بحلب يأمرهم بالكف عن الجلوس بها ففعلوا إلى أن سعى الفخر عثمان الكردي في الصلح بين القضاة وحاجب الحجاب، وكان كرديا لا جركسيا، فامتنع الشافعي وصمم على ضرب الكيخيا وإشهاره في شوارع حلب إلى أن أوقع الصلح بدار العدل بحضرة القضاة، إلا الشافعي فإنه تكرر الإرسال وراءه فلم يحضر، وإنما أرسل نائبه اهتماما منه بشأن الشريعة وقضاتها.
وكان القاضي علاء الدين مزّاحا خفيف الروح فارسا له دربة حسنة في حلبة السباق.
توفي بمنزل عمي الكمال الشافعي بعد سنة تسعمائة.
محمد بن عثمان بن إسماعيل قاضي القضاة شمس الدين بن الدغيم البابي الحلبي الشافعي قاضي الشافعية بحلب وكاتب سرها وناظر جيشها.
توفي سنة خمس وتسعماية. وكان رحمه الله ذكيا فقيها متمولا، سعى في دولة الأشرف قايتباي بمال كثير في أن يتولى قضاء الحنابلة بحلب فلم يسمع له، وصار السلطان يقول له: متى وضعت في زير الصباغ فصرت أو خرجت حنبليا، فبقي على شافعيته. ولما ولي قضاء الشافعية بحلب استناب عمي الكمال الشافعي وقرب إليه حتى زوجه ابنته.
حسن الحلبي الشافعي المشهور بالطحينة.
كان من فقهاء الشيخ عبد القادر الأبار، ثم صار من مريدي الشيخ موسى الأريحاوي، وانقطع بالجامع الكبير بحلب بالرواق المعروف يومئذ بمصطبة الطحينة قريبا من أربعين سنة بحيث لا يتغير من مكانه صيفا ولا شتاء، وله هناك ستارة يرخيها ويسميها البشخاناه.
وصار الناس يهرعون إليه بالأموال وغيرها وهو يصرف ذلك في وجوه الخير من عمل بعض الركايا وإصلاح كثير من الطرقات بإزالة ما فيها من الخروقات وغيرها. وكان إذا وقف
طائر على قبة بركة جامع حلب قال: إن هذا رسولي أتاني يخبر بكذا، ويكره سماع اليراع وينفر إذا سمعه في مقام السماع، وإذا اجتمعت عنده مآكل متنوعة خلط بعضها ببعض ولو مع المنافرة بينها، فقيل له ذلك فقال: إن الكل يجري في مجرى واحد. وربما نسبت إليه مكاشفات ومع هذا فقد كان متهما بمحبة النظر إلى الغلمان.