له ترجمة موجزة في تاريخ المرادي، وترجمه تلميذه الشيخ عبد الرحمن الحنبلي في ثبته «منار الإسعاد» ترجمة طويلة فقال:
ومنهم (أي من مشايخه) شيخنا وبركتنا شيخ الإقراء وخاتمة القراء، القدوة الصالح والمعلم الناصح، إمام القراءات السبع والعشر ونخبة الأوان والعصر، مقلد أعناق الطالبين درر القلائد، وناشر أعلام الإفادة على الراغبين بنثر الفوائد، من اجتباه الله لحفظ القرآن، واصطفاه لتعليمه بالتحبير والضبط والإتقان، الفاضل المحقق المقرىء الشيخ محمد الشهير بالبصيري ابن مصطفى بن حسين بن مصطفى بن حجيج بن موسى الخطيب، التل حاصدي مولدا، الحلبي وطنا، الشافعي مذهبا رحمه الله تعالى.
ولد سنة إحدى بعد المائة وألف، وشهرته بالبصيري لكف بصره، فقد كف وعمره خمس سنين، غير أنه كان يعرف الضوء والأبيض والأحمر كما حققته من لفظه. وأصله من تل حاصد: قرية من قرى حلب. ورحل إلى دمشق عام أربعين ومائة وألف فأخذ القراءات السبع بمضمن الشاطبية والتيسير عن الشيخ علي كزبر بقراءته على الشيخ أحمد الأزهري الشهير بأبي قنب، وهو عن العلامة الشيخ محمد البقري بسنده. وأخذ أيضا عن شيخنا وصديقنا الشيخ إبراهيم الشهير بالحافظ ابن الشيخ عباس بقراءته على السيد أسعد ابن المنير الدمشقي وهو عن شيخ الإسلام أبي المواهب الحنبلي بسنده. وقرأ هو والشيخ إبراهيم طريق العشرة بمضمن الدرة على العلامة الشيخ مصطفى الأزهري المصري الشهير بالعم، ثم قرأ عليه أيضا طريق الطيبة عام أربعة وأربعين في رحلته الثانية بقراءته على أبي المواهب والشيخ محمد البقري. وأخذ أيضا عن الشيخ الفيومي المصري بقراءته على أبي المواهب والشيخ علي المنصوري عن الشيخ سلطان المزاحي رحمهم الله تعالى.
وقد برع ومهر وتقدم على أقرانه وعاد إلى مدينة حلب بنية إحياء هذا الفن بها، وقد حقق الله رجاءه فجد في الاجتهاد وأقرأ وأفاد، وانتفع به خلق لا يحصون كثرة، وأحيا القراءات بعد إماتتها، ونشرها وأظهرها بعد إضاعتها، فجزاه الله تعالى عن الإسلام خير الجزا، وأناله الفردوس في دار الجزا.
وقد حفظت عليه نصف الشاطبية أوائل قدومي إلى حلب، وقرأت سورة البقرة إفرادا
وجمعا لأهل سما ولم يتيسر لي الإكمال، ولكن قد من الله تعالى على ولدي عبد الله بقراءة هذا الفن عليه، فشرع في غرة سنة خمس وسبعين ومائة وألف فقرأ عليه أولا ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم بقصد التجويد والضبط مع حفظ الشاطبية، ثم شرع في الإفراد والجمع فجمع عليه القرآن العظيم من أوله إلى آخره للأئمة السبعة قراءة تحقيق وإتقان، وأجازه بالقراءة والإقراء وأمر له بكتابة إجازة، ثم قرأ عليه بعد ذلك ختمة برواية قالون عن نافع، ثم شرع في ختمة أخرى برواية ورش عنه حتى وصل إلى آخر سورة النساء، فأشار عليه الشيخ بالجمع مرة أخرى فقرأ عليه ختما كاملا جمعا للأئمة السبعة أيضا، ثم أمره بختم ثالث جمعا أيضا فوصل فيه إلى سورة يوسف، فمرض نيفا وخمسين يوما، وتوفي إلى رحمة الله تعالى بعد ظهر يوم الأحد الثاني عشر من شهر ذي الحجة الحرام سنة ثمانين ومائة وألف عن ثمانين سنة.