أقول: موقع هذه المدرسة في محلة باب قنسرين فوق الجامع المعروف بجامع الكريمية بقليل أمام الزقاق الذي يأخذ بك إلى جامع الرومي ولم تزل معروفة بهذا الاسم، والباقي من بنائها القديم القبلية وطولها نحو 22ذراعا وعرضها نحو 9أذرع، وهناك فوق المحراب قبة عظيمة الارتفاع لكنها سائرة إلى الخراب، وفي يمين القبلية مخدعان قبلة وشمالا كان بهما قبور درست الآن، وفي صحن المدرسة مصطبة أمام القبلية وحوض كبير يملأ من القناة وبجانبه صهريج ماء كان مردوما عثر عليه منذ عشرين سنة، فاصلح من قبل أهل الخير وصار يملأ من القناة أيضا. وكانت حجر المدرسة متهدمة فجددت سنة 1316، وهي مع حجرة التدريس ثماني حجر، وشيخها الآن الشيخ عبد الله المعطي الفرضي وهو مشهور بعلم الفرائض، وهي تحت يد دائرة الأوقاف، والباقي من أوقافها فرن ودكان
بجانبها وبدل تخميس أراض عشرية. وهذه المدرسة يقال لها الأسدية الجوانية، وكان لها مدرسة أخرى يقال لها الأسدية وهي:
قال أبو ذر: هذه المدرسة على باب بني الشحنة داخل القنطرة: أنشأها بدر الدين بدر الخادم عتيق أسد الدين شيركوه. كانت دارا يسكنها فوقفها بعد موته. وأول من درس بها صائن الدين أيوب بن خليل بن كامل ولم يزل إلى أن توفي في غرة شعبان المعظم سنة ثلاث وخمسين وستمائة، فوليها بعده قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد ابن هبة الله بن أبي جرادة، ولم يزل بها إلى أن توفي، فوليها بعده الشيخ مجد الدين الحسن ابن أحمد بن هبة الله بن أمين الدولة، ولم يزل بها إلى أن قتل في وقعة التتر، والآن تدريسها بيد بني علاء الدين بن الشحنة. وعلى بابها مكتوب: جددت هذه المدرسة المباركة للفقهاء المشتغلين في دولة السلطان العزيز الطواشي بدر الظاهري الأسدي في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة اهـ.
قال في الدر المنتخب: إن هذه المدرسة خربها الملا محمد ناظر الأوقاف بحلب كان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة ولم يبق لها عين ولا أثر، ودخلت في العمارة التي أنشأها الوزير خسرو باشا المشتملة على مسجد وجامع ومدرسة وخانكاه معدة للضيوف، وهي أول عمارة أنشئت بحلب منذ الفتح العثماني اهـ.
أقول: وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على المدرسة الخسروية في الجزء الثالث.
علي بن محمد بن علي بن محمد بن يزيد أبو الحسن التنوخي الحلبي، قدم دمشق مرة.
أنشدنا أبو اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن سليمان وكتب لي بخطه: أنشدني علي بن محمد لنفسه بحلب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة وكتب بها إلى دمشق:
طيف سرى موهنا والليل ما انقضبا ... إليّ سرا ونجم الغرب ما غربا
فلى الفلا وجلا جنح الدجى وخلا ... من الرقيب وولّى ممعنا هربا
ظن الدجنّة تخفيه وكيف وقد ... وشى بمسراه نور مزّق الحجبا
كأنه بدر تمّ لاح في غسق ... وهنا فلما رأته الأعين احتجبا
أفديه من زائر زور زيارته ... يبدو لعيني وتخفي جفنه الرقبا
أودى بصبري وأشجاني وأرقني ... لما به وأراق الدمع فانسكبا
وأودع الروع أحشائي وأذهب ما ... أبقى الفراق وما رد الذي ذهبا
وكنت أحسبه وافي يبشرني ... بلمّ شمل شتيت طالما انشعبا
وأن قد قرب الترحال عن حلب ... والدار عما قليل تجمع الغربا
فكان لمح سراب لاح بارقه ... فاشتد إذ بصر الظامي به طلبا
حتى إذا جاءه لم يلق موضعه ... فما يسكّن من أحشائه لهبا
فعاد باليأس والنفس النفيسة قد ... طارت شعاعا وأنضى جسمه تعبا
كذاك حظي من الأحباب إن وصلوا ... صدوا وإن سئلوا أضنوا بما طلبا
يجزون بالعرف نكرا من أحبهم ... وبالقطيعة لا بالقرب من قربا
وإن هم مرة سرّوا بوصلهم ... ضرّوا بهجرهم أضعافه حقبا
كالدهر يرضي بما يولي وشيمته ... أن يسترد الذي أعطى كما وهبا
وعاذل عادل عن مذهبي سفها ... يروم بالعذل تسهيل الذي صعبا
يقول لي (1) وهو فيما قال متهم ... عندي ولو كان صدقا خلته كذبا
إلى م تشتاق دارا بان ساكنها ... عنها وتندب ربعا دارسا خربا
إذا رآه الخليّ البال مرّ به ... بكى له رحمة بالدمع فانتحبا
مستبدلا من ظباء الأنس وحشته ... فلا وكم أوانس انسانا بها عذبا (2)
عينا تصيد أسود الغيد أعينها ... تلك الظباء اللواتي لحظهن ظبا
فقلت والشوق يطويني وينشرني ... طيّ السجل إذا ما فض أو كتبا
أصخ بسمعك نحوي واجتنب نفسي ... تسمع حديثا له في الخافقين نبا