لما استقرت أقدام ابن جبان هنا عين اثنين من طرفه يتجسسان على الناس فصارا يقدمان له في كل يوم ورقة تتضمن اسم من ينبغي مصادرته ويقولان إن هذا يستحق جرمين ومقدار الجرم أربعون كيسا، فكان ابن جبان يرسل من طرفه اثنين حاملين للبلطة (نوع من السلاح) فيأتيان بمن أمرا بإحضاره فيزج في الحبس في القلعة ويوضع في رقبته زنجير له شوك ثم يطالب بما قرر عليه وهو جرم أو جرمان أو أكثر، فإذا أحضر ذلك أطلق سبيله ومن لم يعط الجرم في خلال ثلاثة أيام يخنق ليلا ويرمى تجاه باب القلعة، وكلما خنقوا واحدا أطلقوا مدفعا فكان يعلم عدد المخنوقين في هذه الليلة من عدد المدافع، وكانوا لا يمكنون أهالي المخنوق من نقل جثته بل يضعون عسكرا يحافظون تلك الجثث الملقاة في الخندق، وربما أتى بعض أهالي المخنوقين ليلا وحبا على ركبتيه إلى أن يصل إلى قريبه فيحمله أو يحمل عضوا منه إذا كانت أوصاله مقطعة ويصعد به خفية ويذهب فيدفنه. وكان الوالي إذا أراد النزول إلى السوق أمر فزينت له الأسواق نهارا، فينزل ومعه البلطجية والعساكر عن يمينه وشماله فيدور
في الأسواق ومتى أدار الوالي نظره إلى رجل فإن البلطجية يأتون فيضربون رقبة صاحب ذلك الحانوت، يفعل ذلك بثلاثة أو أربعة أشخاص ثم يعود.
ولما تكرر منه هذا العمل الفظيع سأله وجوه البلد عن سبب قتل هؤلاء وما ذنبهم فكان يقول: لا ذنب لهم غير أني أقصد إرهاب الناس.
وشاع في بعض الأيام خبر عزله فقبض أعوانه على واحد واتهموه أنه القاتل، فأنكر ذلك وحلف لهم فلم يصدقوه فعزا ذلك إلى شخص آخر وقال: إني سمعتها منه، فتركوه حينئذ وقبضوا على الثاني فأنكر كذلك وحلف لهم فلم يصدقوه، فعزا ذلك إلى شخص آخر فأطلقوه وقبضوا على ذلك الشخص وهكذا إلى أن قبضوا على شخص يقال له الحاج بدّور الخيمي فأنكر ولم يعز ذلك لأحد، فأتي به إلى سوق الزرب (الضرب) وكان هناك شجرة دلبة قديمة ونصبوا له خشبات الصلب وصاروا يستنطقونه وهو يحلف لهم الأيمان المغلظة أنه لم يقل ذلك ولا علم له بمن قال، فلم يجده ذلك نفعا وصلبوه تحت الشجرة المذكورة بمحضر من الناس.
وكان إبراهيم آغا الحربلي من التجار بحلب ذوي الثروة الطائلة، فبلغ ابن جبان أمواله ونقوده فألقى القبض عليه وحبسه عنده (في الشيخ أبي بكر) وأمر بتعذيبه ليلا ونهارا، وكان أعوانه يحمون الآنية من النحاس ويجردون إبراهيم آغا من ثيابه ويضعونه فوق الآنية حتى يسيل الدهن من أليتيه، فكان يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار، وهم يقولون له قر لنا عن الذهب الذي عندك، فكان من شدة العذاب يقول لهم إن في داري الفلانية في المحل الفلاني فيه كذا من الجهاديات والغازيات فيتوجهون ويدخلون إلى الدار بغير استئذان ويأتون بما فيها من النقود، ولم يزالوا على ذلك مدة سبعة أيام، وفي آخر الأمر أقرّ لهم أن في داره التي في محلة قارلق في الصهريج كذا وكذا من الذهب وكان مبلغا عظيما فذهبوا وأتوا به، ولما تيقنوا أنه لم يبق عنده شيء قطعوا رأسه بجانب حوض الشيخ أبي بكر وكان عمره حين قتل خمسا وسبعين سنة وذلك سنة ألف ومائتين وثمانية وعشرين.