في هذه السنة ولي حلب أسعد باشا العظم. قال ابن ميرو في تاريخه: هو أسعد الوزير الشهير ابن إسماعيل الوزير الشهير بابن العظم، مولده بمعرة النعمان سنة سبع عشرة ومائة وألف، صار، متسلما لوالده بالمعرة وحماة وامتحن مع والده وأفرج عنه حين أفرج عن
والده وأمر بالذهاب مع والده إلى خانية فاستعفى لعلة كانت به عن الذهاب، فعفي عنه وبقي عند عمه سليمان الوزير بأطرابلس، ثم أنعمت الدولة لعمه المذكور له بمالكانة حماة وتوابعها مناصفة وذهب إليها وسار بها سيرة حسنة وعمر بها خانات وحمامات وبساتين ودور ليس لذلك كله في البلاد الشامية نظير، ثم أنعمت له الدولة بطوخين برتبة روملي وصار جرداويا لأمير الحاج علي باشا الوزير بن عبدي باشا الوزير سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، ثم بعد عوده ولي صيدا فضاق بها ذرعا لأمور يطول شرحها فاستعفى وطلب حماة منصبا بعد أن كانت مالكانة له ولعمه كما تقدم، فرفعته من المالكانة ووجهت له منصبا ودخلها سنة أربع وخمسين وماية وألف وبذل الأموال إلى أن جعلها مالكانة له بعناية الوزير الكبير بكر باشا والي جدة سابقا، وفي سنة ست وخمسين تولى دمشق وإمرة الحاج لموت عمه سليمان الوزير وحج بالحجيج أربع عشرة حجة وعزل عن دمشق وإمرة الحاج بالوزير حسين باشا مكي زاده وولوه حلب، فدخلها أوائل جمادى الآخرة سنة سبعين ومائة وألف، وبعد ستة أيام من دخوله إليها عزل وولي مصر فاستعفى فقرر بحلب إلى أوائل سنة إحدى وسبعين وماية وألف، ففي محرمها عزل وولي سيواس فرحل إليها وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، فدخلها في اواخر ربيع الأول، ثم في ثامن رجب من السنة المذكورة وصل الأمر العالي عن يد محمد آغا الأورفلي رئيس البوابين بالباب العالي بالقبض على صاحب الترجمة ونفيه الى جزيرة كريد، ونسبوا ما وقع للحجيج له، وأخر من سيواس لنحو الجزيرة المذكورة.
فقتل بمدينة أنقرة ليلة خامس شعبان من السنة المذكورة بداخل حمام. وكان ملازما للصلاة بالجماعة وكثرة الطواف وزيارة روضة سيد الأنام حين تردده إلى الحرمين رحمه الله تعالى وسامحه، وأعقب بنتا زوّجت من ابن عمها محمد باشا الوزير المترجم آنفا.
قال العلامة المرادي: حسين باشا ابن إسماعيل باشا الجليلي وحيد دهره وفريد عصره عدلا وكرما ورياسة وتقدما، تعاطى كؤوس الفضل شابا وكهلا وشيخا ورسخ قدمه في المحاسن رسوخا. كان في العزم والثبات والحزم في مكان لا ينال. ترجمه عثمان الدفتري في كتابه الروض فقال: صاحب الآثار المعمورة والمحامد المبرورة، الذي قلد أعناق الأنام
بقلائد نعمه وأورق أغصان الآمال بسحب سيبه وكرمه، روح جسد هذا الزمان إنسان عين كل إنسان، تميمة قامة الدهر نتيجة وزراء العصر، ذو المحامد المنوعة والمكارم المرصعة، سحاب المجد والسماحة مالك أزمة العلو والرجاحة، حسيني الأخلاق طاهر العنصر والأعراق. وترجمه جامع هذه الكراسة في كتابه مراتع الأحداق فقال: ماضي بيض الصوارم فاضح الغمائم، صيب البنان طلق الجنان، حاوي الفخر درة العصر، حياة العلا وضاح الجلا، زناد الفضل الموري عطايا فلك العز المضيء بالسجايا. إلى أن قال: ظهر ظهور الشمس في الآفاق فأصبح في الوزراء بمنزلة الأحداق، فبهر فضله واشتهر عدله، وانبسطت لوجوده بسط الأفراح وانطوت بطالعه السعيد منشورات الأتراح، واعتدل مزاج الزمان بعد انحرافه وامتنع المجد لعدله ومعرفته من انصرافه، وانتعش جسم العلم بعد أن انتعش وانمحى ما كان من الجور على صحيفة الزمان قد انتقش، وسرت حميا عطاياه بمشاش العديم فأصبحت أيامه رياش الدهر البهيم، فأقام سوق الفضل بعد ما كسد وأصلح من العلا ما أندرس وفسد، وكانت وزارته سنة ست وأربعين ومائة وألف، ثم في سنة سبعين ومائة وألف ولي حلب (يظهر أن هذا أصح مما ذكره في السالنامة أن ولايته كانت سنة إحدى وسبعين) ثم عاد إلى مسقط رأسه بلدة الموصل وتوفي بها سنة إحدى وسبعين بعد المائة والألف ودفن بالجامع الذي أنشأه ولده محمد أمين باشا، ومولده كان بالموصل سنة سبع ومائة وألف ورثته الشعراء بمراثي عديدة يطول ذكرها، وله مع الوزير أحمد باشا والي بغداد وقائع عدة اه.