فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 2877

وبلغ مصروف عمارة المنارة نحو 600ليرة عثمانية جمعت من ذوي الثروة واليسار، وإذا تأملت ما في هذه المنارة من حسن الصنعة يظهر لك ما وصل إليه فن البناء في حلب

وأن البنّائين هنا حازوا قصب السبق على كثير من البلدان. وكملت عمارتها في سنة 1317، وقد أرّخ ذلك الشيخ أحمد الشهيد مفتي بلدة حارم بقوله:

أنشا لنا الملك الحميد مآثرا ... عظمت صناعتها وأي صناعه

حامي حمى الدين المكين ومن له ... أضحت سلاطين الورى أتباعه

من ذاك في حلب أقام منارة ... تثني عليه بساعة سمّاعه

أيام دولة رائف فخر العلا ... والي حمى الشهبا بأبرك ساعه

ولذاك نادى في الورى تاريخها ... أثر يقوم إلى انفصال الساعه

وكان المهندس لهذا البناء شارتيه أفندي مهندس الولاية وبكر صدقي أفندي مهندس المركز، وكان رئيس المجلس البلدي وقتئذ بشير أفندي الأبري، وقد بذل الجميع من الهمة والعناية ما استحقوا مزيد الشكر والثناء.

في ربيع الأول من هذه السنة عزل رائف باشا وعيّن بدله أنيس باشا، وكان وصوله إلى حلب في السابع عشر من هذا الشهر، وفي أواخر ربيع الثاني توجه منها واليها السابق رائف باشا. وقد كان رحمه الله وعفا عنه وزيرا جليلا عظيم الشأن واسع المدارك حسن الإدارة كثير التنقيب عن أحوال المأمورين وأعمالهم، خفت في زمنه وطأة الرشوة حتى كاد أن لا يبقى لها أثر في دوائر الحكومة، والناس مجمعون على أنه لم تر الشهباء بعد جميل ولم يأتها بعده مثله، والكثير منهم يقولون إنه أحسن إدارة وأسمى فكرا وأدق نظرا من جميل باشا. وله في الشهباء آثار حسنة وتقدمت في زمنه في العمران كثيرا، وحسبك الجدول الذي سنذكره دليلا على ما قلناه لأن تلك الأعمال التي قام بها المجلس البلدي في مدة ولاية رائف باشا وهي أربع سنين ونصف كان له فيها اليد الطولى والهمة العليا.

وكما أن له آثارا حسنة فإن له أثرا قبيحا وسنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو فتح بيوت مخصوصة للفحش في محلة بحسيتا ثم امتد إلى محلة المصابن، وبعد أن كانت المومسات قلائل في الشهباء يعددن بالأصابع أصبحن بفضل اتخاذ هذه الأمكنة الخبيثة يناهز عددهن خمسمائة، وبعد أن كان لا ينغمس في هذه الحمأة ولا يتلطخ

في هذه القاذورات إلا أشخاص قلائل لما يعترض ذلك من الأخطار والمشقات التي ربما تفضي إلى القتل ولا يقدم على ذلك إلا من خبثت نفسه وكانت في أحط درجات الدناءة وليس فيه مثقال ذرة من المروءة والشهامة والشرف أصبح المختلفون إلى هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا، وفشا أمر الزنا في أبناء الشهباء وما حولها بعد أن كانوا تمثال الفضيلة والعفة والأخلاق الكريمة. وتهافت الشبان في هذه السنين الأخيرة على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها غير مبالين بقوله تعالى {لََا تَقْرَبُوا الزِّنى ََ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً وَسََاءَ سَبِيلًا} وقد فشا فيهم فوق ما يكتسبونه من الإثم وغضب الله تعالى داء الزهري والإفرنكي والتعقيبة وقل منهم السالم منها، وتراهم غادين رائحين إلى أبواب الأطباء للتخلص من هذه التهلكة وهيهات هيهات فقد سبق السيف العذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت