ووقفت على هذه المدرسة البستان المعروف ببستان ابن عيد، وكان مغتصبا فأعيد إلى الوقف بعد محاكمة من متولي الوقف الآن الشيخ إبراهيم أفندي ابن المترجم مع مغتصبه وذلك سنة 1328. ووقفت له ستة دكاكين ومصبغة وعدسة ودارا لم تزل في يد المتولي المذكور. ووقفت فرنا في بلدة سلقين وأرضا فيها وعدة أراض في قرى حولها وفي حارم، وقد تغلب عليها من قديم ولا شيء منها الآن في يد المتولي. ووقفت دارا في محلة جب
أسد الله على من يكون مدرسا للمدرسة سكنا وإسكانا في وقفية على حدة سنة 1166، وهي مغتصبة أيضا إلى الآن ولله الأمر.
الشيخ محمد ابن الحاج محمود ابن الشيخ هاشم ابن السيد أحمد ابن السيد محمد الطبّاخ، الحلبي الحنفي، أخي وشقيقي. كان رحمه الله ممن أكرمه الله بالعلم وجمله بالحلم وزينه بالتقوى.
ولد سنة 1267، وهو أكبر إخوتي وأول مولود لوالدي. وظهرت عليه أمارات النجابة والصلاح منذ نعومة أظفاره، وكان سيدي الوالد يستصحبه معه إلى حضور مجالس الذكر في الزاوية الهلالية، فنشأ على محبتها ومحبة العلم وأهله، فأخذ في طلب العلم، ولازم الشيخ محمد الرزّاز خطيب جامع العادلية، فأخذ عنه علم القراءات وغير ذلك، وقرأ على الشيخ بكري الزبري العلوم العربية، وقرأ على الشيخ أحمد المرحوم الفرضي علم الفرائض، وبرع في هذا العلم في مدة وجيزة، وأخذ عن غيرهم من فضلاء ذلك العصر.
وكان في أول نشأته مع ما عليه من الصلاح كثير التأنق في ملبسه، يلبس الأثواب الحريرية التي كانت تجلب من بلاد الهند، وقد كان سيدي الوالد يستجلبها من مكة وجدة لأنه كان يتعاطى التجارة إليها في كل سنة كما سيأتي في ترجمته، فكان سيدي الأخ يلبس منها ما يروق له، ثم إنه أعرض عن ذلك وأقبل على استكمال فضائل النفس، ولازم الزاوية الكيّالية، وشيخها إذ ذاك الشيخ حسن أفندي ابن الشيخ طه الكيالي، فأخذ عنه الطريقة الرفاعية ولازمه ملازمة الظل لصاحبه، وكانا متحدين في العمر، وأخذا في مطالعة كتب السادة الصوفية، وطالعا عدة كتب في الزاوية المذكورة، وصار يختلي معه فيها في كل سنة أربعين ليلة على حسب عادة أهل الطريق، وسافر معه إلى الباب لزيارة الشيخ عقيل المنبجي ولزيارة الشيخ أبي بكر الهوّار وغيرهما. ثم سافر معه هو وبعض مريديه إلى القدس على قدم التجريد وزاروا الأماكن المقدسة هناك، وذلك في حدود سنة 1302، وصار لبسه في تلك المدة الأثواب من الكتان، بل إنه حين سفره إلى القدس اتخذ جبة ذات رقع كثيرة لم تزل محفوظة عند ولده إلى الآن، ولم يكن عمله هذا يشوبه شيء من الرياء أو
قصد السمعة أو طلبا لدنيا، فقد كان والحمد لله في سعة من العيش غنيا بغنى أبيه، غير أنه زهد في هذه الدنيا وزخارفها وعلم أنها دار ممر لا دار مقر، وأن الإنسان لم يخلق سدى بل خلق ليعبد الله تعالى ويهذب هذه النفس ويصفيها من الكدورات لتلتحق بالملأ الأعلى وتدخل في عداد النفوس التي خاطبها تعالى بقوله: {يََا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبََادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} (1) ولذا أعرض عنها وأكب على العبادة وقراءة الأوراد وملازمة الذكر والمراقبة، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد. وكان لا يفتر عن التهجد في الليل وصوم يوم الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام المباركة. ومع ذلك لم يكن ليترك نصيبه من الدنيا، بل كان بعد انتهائه من حضور دروسه يتوجه إلى مخزن والده الكائن في خان العلبيّة ويحرر له حساباته وتحاريره التي يرسلها إلى البلدان، وينوب عنه في البيع والشراء في أوقات سفره، إلا أنه لم يكن متهافتا على الدنيا متكالبا عليها كما هو شأن أبناء هذا الزمان، بل كان مجملا في الطلب، صادق اللهجة، ناصحا في بيعه وشرائه، لا يعرف الكذب ولا التغرير، ولا يحلف لا صادقا ولا كاذبا.