فهرس الكتاب

الصفحة 2427 من 2877

وكان في أول نشأته مع ما عليه من الصلاح كثير التأنق في ملبسه، يلبس الأثواب الحريرية التي كانت تجلب من بلاد الهند، وقد كان سيدي الوالد يستجلبها من مكة وجدة لأنه كان يتعاطى التجارة إليها في كل سنة كما سيأتي في ترجمته، فكان سيدي الأخ يلبس منها ما يروق له، ثم إنه أعرض عن ذلك وأقبل على استكمال فضائل النفس، ولازم الزاوية الكيّالية، وشيخها إذ ذاك الشيخ حسن أفندي ابن الشيخ طه الكيالي، فأخذ عنه الطريقة الرفاعية ولازمه ملازمة الظل لصاحبه، وكانا متحدين في العمر، وأخذا في مطالعة كتب السادة الصوفية، وطالعا عدة كتب في الزاوية المذكورة، وصار يختلي معه فيها في كل سنة أربعين ليلة على حسب عادة أهل الطريق، وسافر معه إلى الباب لزيارة الشيخ عقيل المنبجي ولزيارة الشيخ أبي بكر الهوّار وغيرهما. ثم سافر معه هو وبعض مريديه إلى القدس على قدم التجريد وزاروا الأماكن المقدسة هناك، وذلك في حدود سنة 1302، وصار لبسه في تلك المدة الأثواب من الكتان، بل إنه حين سفره إلى القدس اتخذ جبة ذات رقع كثيرة لم تزل محفوظة عند ولده إلى الآن، ولم يكن عمله هذا يشوبه شيء من الرياء أو

قصد السمعة أو طلبا لدنيا، فقد كان والحمد لله في سعة من العيش غنيا بغنى أبيه، غير أنه زهد في هذه الدنيا وزخارفها وعلم أنها دار ممر لا دار مقر، وأن الإنسان لم يخلق سدى بل خلق ليعبد الله تعالى ويهذب هذه النفس ويصفيها من الكدورات لتلتحق بالملأ الأعلى وتدخل في عداد النفوس التي خاطبها تعالى بقوله: {يََا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى ََ رَبِّكِ رََاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبََادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [1] ولذا أعرض عنها وأكب على العبادة وقراءة الأوراد وملازمة الذكر والمراقبة، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد. وكان لا يفتر عن التهجد في الليل وصوم يوم الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام المباركة. ومع ذلك لم يكن ليترك نصيبه من الدنيا، بل كان بعد انتهائه من حضور دروسه يتوجه إلى مخزن والده الكائن في خان العلبيّة ويحرر له حساباته وتحاريره التي يرسلها إلى البلدان، وينوب عنه في البيع والشراء في أوقات سفره، إلا أنه لم يكن متهافتا على الدنيا متكالبا عليها كما هو شأن أبناء هذا الزمان، بل كان مجملا في الطلب، صادق اللهجة، ناصحا في بيعه وشرائه، لا يعرف الكذب ولا التغرير، ولا يحلف لا صادقا ولا كاذبا.

وفي سنة 1305توجه مع أهله وولديه وبنت له إلى مكة، أرسله سيدي الوالد في تجارة إليها وأرسل معه ما يروج هناك من بضائع هذه البلاد. وقد كان حج قبل ذلك مرتين أو ثلاثا، ولم تكن غايته الربح بل الحج وزيارة تلك الأماكن المقدسة، ولما وصل إلى مكة ازداد هناك زهدا في هذه الحياة وأقبل على العبادة مزيد الإقبال، فكان يدخل إلى الحرم المكي من الساعة الحادية عشرة ويبقى فيه إلى الساعة الثالثة وهو بين طواف وصلاة ومراقبة ومشاهدة للكعبة المشرفة وذكر لله تعالى خفية، ثم يعود إلى البيت فينام إلى الساعة الثامنة، ثم ينهض فيعود إلى الحرم فيبقى فيه على هذه الحالة إلى أن يصلي الضحى، ثم يخرج إلى حانوته ويأخذ في البيع والشراء على الحالة التي قدمناها.

وكان كثير الاجتماع بالشيخ حسن عرب وأخيه الشيخ أحمد والشيخ حسب الله الهندي، وهم من علماء مكة الفضلاء، ويتذاكر معهم في كثير من المسائل العلمية.

وبقي مجاورا في مكة على هذه الحالة إلى سنة 1307، ففيها توجهت مع سيدي الوالد إلى مكة، فوصلناها في الرابع من ذي الحجة. وفي الثامن منه خرجنا جميعا إلى عرفات

(1) الفجر: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت