فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 2877

أدركت من أمر الزمان المشتهى ... وبلغت من نيل الأماني المنتهى

وبقيت في كنف السلامة آمنا ... متكرما بالطبع لا متكرها

لا زلت نور الدين في فلك الهدى ... ذا عزة للعالمين بها البها

يا محيي العدل الذي في ظله ... من عدله رعت الأسود مع المها

محمود المحمود من أيامه ... لبهائها ضحك الزمان وقهقها

مولي الورى مولي الندى معلي الهدى ... مردي العدى مسدي الجدا معطي اللها

آراؤه بصوابها مقرونة ... وبمقتضاها دائر فلك النهى

متلبس بحصافة وحصانة ... متقدس عن شوب مكر أودها

يا من أطاع الله في خلواته ... متأوبا من خوفه متأوها

أبدا تقدم في المعاش لوجهه ... عملا يبيض في المعاد الأوجها

كل الأمور وهى وأمرك مبرم ... مستحكم لا نقض فيه ولا وها

ما صين عنك الصين لو حاولتها ... والمشرقان فكيف منبج والرها

ما للملوك لدى ظهورك رونق ... وإذا بدت شمس الضحى خفي السها

إن الملوك لهوا وإنك من غدا ... وبماله والملك منه مالها

شرهت نفوسهم إلى دنياهم ... وأبى لنفسك زهدها أن تشرها

ما نمت عن خير ولم يك نائما ... من لا يزال على الجميل منبها

أخملت ذكر الجاهلين ولم تزل ... ملكا بذكر العالمين منوّها

ورأيت إرعاء الرعايا واجبا ... تغني فقيرا أو تجير مدلها

لرضاهم متحفظا ولحالهم ... متفقدا ولدينهم متفقها

وبما به أمر الإله أمرتهم ... من طاعة ونهيتهم عما نهى

عن رحمة لصغيرهم لم تشتغل ... عن رأفة لكبيرهم لن تشدها

باليأس عندك آمل لم يمتحن ... بالرد دونك سائل لن يجبها

أتعبت نفسك كي تنال رفاهة ... من ليس يتعب لا يعيش مرفها

فقت الملوك سماحة وحماسة ... حتى عدمنا فيهم لك مشبها

ولك الفخار على الجميع فدونهم ... أصبحت عن كل العيوب منزها

وأراك تحلم حين تصبح ساخطا ... ويكاد غيرك ساخطا أن يسفها

قال صاحب الروضتين: رحم الله العماد فقد نظم أوصاف نور الدين الجليلة بأحسن لفظ وأرقه [1] وهذا البيت الأخير مؤكد لما نقلناه في أول الكتاب من قول الحافظ أبي القاسم ابن عساكر في وصف نور الدين إنه لم يستمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وقل من الملوك من له حظ من هذه الأوصاف الفاضلة والنعوت الكاملة.

قال العماد: ثم عاد نور الدين إلى حلب في شهر رجب وضربت خيمته في رأس الميدان الأخضر. قال: وكان مولعا بضرب الكرة، وربما دخل الظلام فلعب بها بالشموع في الليلة المسفرة. ويركب صلاح الدين مبكرا كل بكرة، وهو عارف بآدابها في الخدمة وشروطها المعتبرة. قال: وأقطعه في تلك السنة ضيعتين إحداهما من ضياع حلب والأخرى من ضياع كفر طاب.

قال في الروضتين: في أول هذه السنة ملك نور الدين رحمه الله قلعة جعبر وأخذها من صاحبها شهاب الدين بلك بن علي بن بلك العقيلي من آل عقيل من بني المسيب، وكانت بيده ويد آبائه من قبله من أيام السلطان ملكشاه، وقد تقدم ذكر ذلك، وهي من أمنع الحصون وأحسنها، مطلة على الفرات لا يطمع فيها بحصار، وقد أعجز جماعة من الملوك أخذها منه وقتل عليها عماد الدين زنكي والد نور الدين، ثم اتفق أن خرج صاحبها منها يوما يتصيد فصاده بنو كلب فأخذوه أسيرا وأوثقوه وحملوه إلى نور الدين فتقربوا به إليه، ورغبه في الإقطاع والمال ليسلم إليه القلعة فلم يفعل، فعدل به نور الدين إلى الشدة

(1) أقول: العماد الكاتب ليس من الشعراء المجيدين ونثره خير من نظمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت