لا تنكرن لسابح عثرت به ... قدم وقد حمل الخضم الزاخرا
ألقى على السلطان طرفك طرفه ... فهوى هنالك للسلام مبادرا
سبق الرياح بجريه وكففته ... عنها فليس على خلافك قادرا
ضعفت قواه إذا تذكر أنه ... في السرج منك يقل ليثا خادرا
ومتى تطيق الريح طودا شامخا ... أو يستطيع البرق جونا ماطرا
فاعذر سقوط البرق عند مسيره ... فالبرق يسقط حين يخطف سائرا
وأقل جوادك عثرة ندرت له ... إن الجواد لمن يقيل العاثرا
وتوق من عين الحسود وشرها ... لا كان ناظره بسوء ناظرا
واسلم لنور الدين سلطان الورى ... في الحادثات معاضدا ومؤازرا
وإذا صلاح الدين دام لأهله ... لم يحذروا للدهر صرفا ضائرا
أقول: قدمنا في حوادث السنة الماضية خبر عصيان غازي بن حسان صاحب منبج وأن نور الدين توجه سنة 563وأخذها منه وأقطعها أخاه ينال بن حسان وتوجه منها إلى الرها وأقام بها مدة.
قال في الروضتين: وقد مدحه العماد الكاتب وهو مقيم على الرها في هذه السنة بقصيدة وتحجب له صلاح الدين في عرضها وهي:
أدركت من أمر الزمان المشتهى ... وبلغت من نيل الأماني المنتهى
وبقيت في كنف السلامة آمنا ... متكرما بالطبع لا متكرها
لا زلت نور الدين في فلك الهدى ... ذا عزة للعالمين بها البها
يا محيي العدل الذي في ظله ... من عدله رعت الأسود مع المها
محمود المحمود من أيامه ... لبهائها ضحك الزمان وقهقها
مولي الورى مولي الندى معلي الهدى ... مردي العدى مسدي الجدا معطي اللها
آراؤه بصوابها مقرونة ... وبمقتضاها دائر فلك النهى
متلبس بحصافة وحصانة ... متقدس عن شوب مكر أودها
يا من أطاع الله في خلواته ... متأوبا من خوفه متأوها
أبدا تقدم في المعاش لوجهه ... عملا يبيض في المعاد الأوجها
كل الأمور وهى وأمرك مبرم ... مستحكم لا نقض فيه ولا وها
ما صين عنك الصين لو حاولتها ... والمشرقان فكيف منبج والرها
ما للملوك لدى ظهورك رونق ... وإذا بدت شمس الضحى خفي السها
إن الملوك لهوا وإنك من غدا ... وبماله والملك منه مالها
شرهت نفوسهم إلى دنياهم ... وأبى لنفسك زهدها أن تشرها
ما نمت عن خير ولم يك نائما ... من لا يزال على الجميل منبها
أخملت ذكر الجاهلين ولم تزل ... ملكا بذكر العالمين منوّها
ورأيت إرعاء الرعايا واجبا ... تغني فقيرا أو تجير مدلها
لرضاهم متحفظا ولحالهم ... متفقدا ولدينهم متفقها
وبما به أمر الإله أمرتهم ... من طاعة ونهيتهم عما نهى
عن رحمة لصغيرهم لم تشتغل ... عن رأفة لكبيرهم لن تشدها
باليأس عندك آمل لم يمتحن ... بالرد دونك سائل لن يجبها
أتعبت نفسك كي تنال رفاهة ... من ليس يتعب لا يعيش مرفها
فقت الملوك سماحة وحماسة ... حتى عدمنا فيهم لك مشبها
ولك الفخار على الجميع فدونهم ... أصبحت عن كل العيوب منزها
وأراك تحلم حين تصبح ساخطا ... ويكاد غيرك ساخطا أن يسفها
قال صاحب الروضتين: رحم الله العماد فقد نظم أوصاف نور الدين الجليلة بأحسن لفظ وأرقه (1) وهذا البيت الأخير مؤكد لما نقلناه في أول الكتاب من قول الحافظ أبي القاسم ابن عساكر في وصف نور الدين إنه لم يستمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وقل من الملوك من له حظ من هذه الأوصاف الفاضلة والنعوت الكاملة.