وقبيل وفاة المترجم بنحو سنتين ناهضه بعض من لهم علاقة في الأوقاف لمضادته لهم في أمور أوقافهم وحرروا في حقه المضابط المرة بعد المرة مبينين فيها عدم لياقته لهذا المنصب، وأن الوظائف التي في عهدته لا يقوم بها، فارتبك في أمره وتأثر من ذلك أشد التأثر بحيث أدّاه إلى الإضرار في جسمه والاضطراب في فكره، ثم ازداد به ذلك إلى أن لزم الفراش، ثم توفي في التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 1341، ودفن في تربة الجبيلة عن ستين عاما أو زاد عن ذلك قليلا، رحمه الله تعالى.
محمود كامل باشا ابن محمد ناجي أفندي العينتابي. والده من العائلات المعروفة في عينتاب قديما، حضر لحلب في نواحي سنة 1270وتوطن بها وكان مديرا للأوراق في الولاية، بقي في هذه الوظيفة إلى أن توفي سنة 1313. وتزوج في حلب وولد له عدة أولاد، وكان المترجم رابع ولد من أولاده الذكور، وكانت ولادته سنة 1297.
ولما ترعرع ختم القرآن الكريم في المدارس المحلية، ثم دخل إلى المدرسة الرشدية العسكرية في حلب، وظهرت علي أمارات الذكاء من ذلك الحين بحيث كان يمتاز على أقرانه ورفقائه بسرعة الانتقال مع أنه كان أصغر التلامذة في صنفه.
وخرج من هذه المدرسة وهو في سن الثالث عشر من العمر، وذهب إلى دمشق فدخل المكتب الإعدادي العسكري، وكان هناك موضع إعجاب معلميه لذكائه الفطري وحسن مداركه. وبعد أن أكمل التحصيل فيه توجه إلى الآستانة ودخل المدرسة الحربية ووضع في صنف الأركان الحربية، وهناك أيضا امتاز بين أقرانه في إتقان العلوم الحربية والحركات العسكرية، وكان هو وأنور باشا الشهير في صف واحد، ومن ذلك العهد عقدت بينهما رابطة المودة والمحبة.
ثم خرج من هذه المدرسة برتبة (يوزباشي) وعين لمنطقة حلب العسكرية ليخدم في الصنوف الثلاثة (بياده. سواري. طوبجي) حسب الأصول المتبعة، فحضر لمسقط رأسه، وكان القائد العام في ذلك الوقت في منطقة حلب علي محسن باشا الفريق المشهور (دفين التكية المولوية) فقام بمهام وظيفته أحسن قيام، فأحبه الرجال العسكريون لذلك،
ولدماثة أخلاقه. وفي أثناء ذلك وضع خريطة للحمرة (أرض واقعة بين المعرة وحماة) وكانت محلا لتربية الخيول العسكرية، وهي نقطة دفاع بين القرى المعمورة والصحراء التي هناك، وذلك بأمر من الحكومة، فصارت تلك الخريطة دستور العمل في تقسيم تلك الأراضي وتوزيعها على مناطق متعددة.