فهرس الكتاب

الصفحة 2621 من 2877

ثم خرج من هذه المدرسة برتبة (يوزباشي) وعين لمنطقة حلب العسكرية ليخدم في الصنوف الثلاثة (بياده. سواري. طوبجي) حسب الأصول المتبعة، فحضر لمسقط رأسه، وكان القائد العام في ذلك الوقت في منطقة حلب علي محسن باشا الفريق المشهور (دفين التكية المولوية) فقام بمهام وظيفته أحسن قيام، فأحبه الرجال العسكريون لذلك،

ولدماثة أخلاقه. وفي أثناء ذلك وضع خريطة للحمرة (أرض واقعة بين المعرة وحماة) وكانت محلا لتربية الخيول العسكرية، وهي نقطة دفاع بين القرى المعمورة والصحراء التي هناك، وذلك بأمر من الحكومة، فصارت تلك الخريطة دستور العمل في تقسيم تلك الأراضي وتوزيعها على مناطق متعددة.

وفي سنة 1323حدثت الثورة العظيمة في البلاد اليمانية، فأرسل هو وأربعة من رجال الأركان الحربية إلى اليمن عن طريق الشام والعقبة مع عزة بك (الذي صار بعد ذلك مشيرا وناظرا للحربية) فوصلوا إلى الحديدة وسافروا مع القائد العام المشير علي رضا باشا إلى صنعاء، وكانت محاصرة، وحضر هؤلاء معركة مساجد التي قتل فيها أحدهم القائمقام عزة بك. وبعد عدة معارك شديدة تمكنوا من إزالة الحصار عنها ودخلوا صنعاء. وبعد مدة عاد الإمام حميد الدين بجيوشه الجرارة وحاصر صنعاء مرة ثانية، وبعد المذاكرات الطويلة مع الإمام سلمت صنعاء إلى الإمام المشار إليه بموجب معاهدة حفظت حقوق الطرفين وحالت دون إهراق الدماء.

ولما بلغت هذه الاتفاقية إلى السلطان عبد الحميد خان تأثر منها ولم ترق له، فعيّن المشير الشهير أحمد فيضي باشا الذي كان قائد الجيش السادس في بغداد، وجهز له الجيوش الكثيرة من المملكة العثمانية، فذهب أحمد فيضي باشا إلى اليمن عن طريق نجد والمدينة المنورة، ولما وصل الحديدة توجه منها إلى مناحة، وهي معقل عظيم بين الحديدة وصنعاء، وهناك عسكر المشير بجيوشه والتحق به من كان هناك من العساكر العثمانية التي هي في قيادة المشير علي رضا باشا، وكان المترجم محمود كامل باشا في عداد هؤلاء، وهم الذين كانوا خرجوا من صنعاء حينما سلمت إلى الإمام كما مر. وعندئذ قام المشير أحمد فيضي باشا بالأعمال العسكرية بتلك الجيوش الجرارة، فاسترد صنعاء، وقضت بتراجع الإمام إلى مركزه القديم (صعدة) التي هي بجبال شهارة، وتعقبه المشير إلى موضعه هذا وحاصره أياما فلم يتمكن من الاستيلاء عليه لمناعة تلك الجبال وكثرة الجنود من أهالي اليمن التي التفت حول الإمام.

وجرح المترجم في إحدى الوقائع التي حصلت مع قبيلة حاشد برصاصة أصابت رجله، وذلك بجوار قلعة رمادي.

وحدث أنه بينما كان ذات يوم يتجول في جبال (أنس) الذي هو تقريبا مبدأ منشأ الثورة في بلاد اليمن صادفه رجل من مقدمي هذه الجبال يقال له المقداد، ولعله الآن في قيد الحياة، فقال له المقداد: تعال امش معي لأريك مغارة كبيرة هامة، فظن أنه يقصد أن يريه محلا قديما من الآثار التاريخية، فذهب معه، ولما دخل المغارة لم يجد فيها ما يستلفت النظر، فعندئذ قال له: أرأيت سعة هذه المغارة يا حضرة البيك، إن الليرات التي يدفعها أهالي هذا القضاء ظلما وفضولا لتملأ هذه المغارة عدة مرات، وإنا إلى الآن لم نقدر أن نملأ بطن زكريا باشا الجركسي، ولم يبق بين أيدي الأهالي سوى أحجار أبنية هذا القضاء المخرب وأنقاضه، فهل من الممكن بعد هذا كله ألّا نعصي ولا نثور، فأنتم يا أرباب الحل والعقد، إذا لم تتداركوا الأمر وترفعوا الظلم والعسف فمن المستحيل أن يسود الأمن وترجع الطمأنينة إلى هذه الربوع. وكن على يقين أنا اليمانيين نحب الترك أكثر من حبهم لأنفسهم. قال هذا وتنفس الصعداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت