فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 2877

ومما يستحق الاعتبار أن هذا السردار كان قد اجتمع مع قنصل فرانسا في ذلك النهار، فأخذ يحادثه في الكلام ويسأله عن حواصل بر الشام وعن أسعار الحرير والحنطة والشعير وغير ذلك من المسائل التي ليس تحتها طائل، وبعد أن تناول معه الطعام خرج إلى المضارب والخيام وبات تلك الليلة في المعسكر، وعند طلوع النهار بلغته الأخبار بقرب

وصول ذلك الجبار والليث المغوار إبراهيم باشا، فلم يسعه إلا الرحيل من هذه الديار، فقسم جيشه إلى قسمين وأرسله إلى الإسكندرونة على طريقين الأول سار على طريق كلّز وبيلان وسار هو في الثاني عن طريق أنطاكية، وتبعه والي حلب ووالي دمشق الشام، وعند وصوله إلى الإسكندرية أقام فيها.

قال في المناقب الإبراهيمية: إن إبراهيم باشا لما استولى على حمص وحماة سار إلى حلب على طريق تل السلطان فمعرة النعمان فحلب، وكان وصوله إليها في اليوم الثامن من شهر صفر سنة 1248ألف ومائتين وثمانية وأربعين هجرية ويوافق ذلك السابع عشر من تموز سنة 1832مسيحية وذلك بعد خروج حسين باشا من المدينة بيومين، فاستقبله أهلها بالترحيب والتفخيم ودخلها بموكب عظيم، وكان أول من ورد إليه للتهنئة والسلام قناصل الدول العظام، ثم جاء القاضي والمفتي (كان المفتي في ذلك الحين محمد أفندي الجابري ذكر ذلك الشيخ بكري الكاتب في مجموعته) وأعيان البلد وباقي الوجوه والعمد فسلموا عليه وهنأوه، وبعد أيام قلائل وردت إليه الكتب والرسائل من عمال تلك الديار تعرب عن تهنئته والانتظام في سلك دولته.

وبعد أن نظم أحكام المدينة وأذعنت لطاعته جميع الولايات الكائنة في تلك الجهات كديار بكر ونواحيها وأورفة وما يليها ونصب بها الولاة والمتسلمين تجهز للارتحال إلى الإسكندرونة للقاء حسين باشا، وكان رحيله من حلب في اليوم السابع والعشرين من صفر فوصل إلى بيلان في اليوم الثاني من ربيع الأول.

قال في المناقب: كان حسين باشا عند مروره ببيلان أقام فيها سبعة عشر ألفا من الرجالة والفرسان ليقطع على المصريين منافذ الطريق بإقامة الحواجز عند باب مضيقها بحيث كان يستطيع بألف مقاتل يدفع عشرين ألفا بالنسبة إلى مركزها الشاهق. فلما أقبل إبراهيم باشا إليها وأشرف بجيشه عليها وجدها مشحونة بالعساكر والمؤن فبادر إلى الحرب وقسم جيشه إلى أربعة أقسام وأقام كل قسم في مكان، ولما اختبر إبراهيم باشا مراكز

الجيوش العثمانية وعرف حركاتهم الحربية أمر الآلاي الثامن والثامن عشر من الرجالة وآلاي الحرس أن يسيروا عن طريق كلّز ويصعدوا إلى ذروة الجبل ويهجموا على ميسرة الجيوش العثمانية، ثم أمر حسن بك المناسترلي بالهجوم على الميمنة من الجهة الثانية المعروفة بطريق أنطاكية، وأقام إبراهيم باشا عن يمين ويسار فم الوادي فرقا من خيالة الأجناد ليعضد العساكر إذا ظفروا ويرد العدو عنهم إذا انكسروا، فلما رأت العساكر العثمانية تقدم الجيوش المصرية وهي صاعدة إليها ومشرفة عليها من اليمين والشمال أطلقت عليها المدافع من الجانبين المحكمة على الطريقين، فعند ذلك أمر إبراهيم باشا عسكره بالهجوم وإطلاق المدافع وتسابقت العساكر إلى الحرب فاشتبك القتال بين الجانبين واصطدمت الرجال بالرجال وسالت الدماء، وكانت ساعة من ساعات القيامة أذهلت العقول وأشابت الأطفال، وكانت النيران بين الطرفين غير منقطعة غير أن المصريين كانوا في الحرب أكثر انتظاما وأخف حركة، واستمر القتال من العصر إلى بعد غروب الشمس، وكانت جيوش الأتراك قد كلت وقتل منها ما يزيد عن ثلاثة آلاف نفس، فعند ذلك اختل نظامها وتمزقت صفوفها فولّت الأدبار وتشتت شملها ولم يفقد من المصريين غير أربعمائة وعشرين شخصا واستولى المصريون على مدافعهم وذخائرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت