ثم إن المترجم عزل من حلب في منتصف شوال سنة ثمان وسبعين وولي إيالة الرها المعروفة بأورفة فاستقام بحلب إلى أن ورد منشوره في ذي القعدة فنهض إليها ولم تطل إقامته بها، فعزل عنها وولي إيالة آدنة فنهض منها واجتاز بحلب ودخلها في المحرم سنة تسع وسبعين ونزل بتكية الشيخ أبي بكر وتوجه إلى آدنة، فقبل وصوله إليها ولي إيالة صيدا فكر راجعا إلى صيدا ودخلها في صفر من السنة المرقومة ثم عزل عنها وأعطي قونية، ثم ولي الشام وإمارة الحاج الشريف بعد الوزير عثمان باشا فدخلها في شهر رجب سنة خمس وثمانين ومائة وألف وصار لأهلها به كمال الفرح والسرور وسلك سبل العدل وتردى برداء الإنصاف، ثم عزل عنها في ربيع الأول سنة ست وثمانين وأعطي قونية، ثم أعيد إلى ولاية دمشق وإمارة الحاج في سنة سبع وثمانين وأقبل على أهلها بكمال الإكرام ووفور الاعتناء التام، وكانت أيامه بها مواسم أفراح واستمر واليها إلى حين وفاته. وراج في أيامه سوق الشعر فمدحه الشعراء بالقصائد الطنانة وأهلك الله على يده جملة من الخوارج منهم علي ابن عمر الظاهر الزيداني قتله في رمضان سنة تسع وثمانين وصالح العدوان من بغاة المشايخ ومرعي المقدّاني الشيعي وغيرهم من البغاة وقطاع الطريق، وراقت دمشق وما والاها في أيامه وصفا لأهلها العيش ونامت الفتن وسلم الناس من الإحن. وبنى بدمشق آثارا حسنة صار بها ارتفاق للمسلمين، منها السوق الذي بناه بقرب داره تجاه القلعة الدمشقية عند المدرسة الأحمدية، وبنى فيه سبيلا لطيفا محكما وأجرى إليه الماء من نهر القنوات، وعمل لضريح الأستاذ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله سره تابوتا من النحاس الأصفر ويوضع على
قبره، وعمر غالب ضرائح الأنبياء والأولياء والصحابة بدمشق وما والاها من البلاد، وبنى في طريق الحاج الشريف قلعة لبئر الزمرد واصطنع فيه آثارا جميلة، وعمرّت في أيامه دار خزينة السراي بدمشق سنة ست وتسعين وبنى الجهة القبلية في السراي المرقومة جميعها وبنى محكمة الباب.
وكان رحمه الله تعالى له مبرات كلية وصدقات جلية وخفية خصوصا لمن أدركهم الفقر من ذوي البيوت وأهل العلم بدمشق فكان يتفقد أحوالهم ويبرهم ويكرم نزلهم، وله عطايا جزيلة كل سنة للعلماء وأهل الصلاح والدين وإغاثة كلية للضعفاء والمساكين، طاهر الذيل واللسان واليد من كل ما يشين، ومدح من أدباء دمشق بالقصائد العديدة التي لو دونت لبلغت مجلدات وكان يجيزهم على ذلك الجوائز السنية، وكانت أوقاته مصروفة في أنواع القربات من تلاوة قرآن واشتغال بالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أو رفع ظلامة عن مظلوم أو تنفيس كربة عن مكروب، وبالجملة فهو أحسن من أدركناه من ولاة دمشق وأكملهم رأيا وتدبيرا، ولم يزل على أحسن حال وأكمل سيرة حتى توفي بدمشق وهو وال عليها ثالث عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائة وألف وحمل بمجمع عظيم لم يتخلف عنه أحد من أهل دمشق من الرجال والنساء ودفن بتربة الباب الصغير شمالي ضريح سيدنا بلال الحبشي رحمه الله تعالى اه باختصار قليل.
قال الفاضل عبد الله ميرو في تاريخه لحلب: محمد باشا الوزير دخل حلب برتبة روملي أمير الأمراء منفصلا على كلز سنة ثمان وسبعين ومائة وألف وأمرته الدولة العلية بنظام بيلان وباياس، فنهض من حلب إلى أنطاكية، وكان قتل بأنطاكية قره إبراهيم آغا غيلة قتله جماعة من أهل أنطاكية لأمور يطول شرحها، ففتش صاحب الترجمة على القاتلين فظفر بالبعض ورتب جزاءهم ونهض منها إلى باياس وكان أهلها قد شقوا عصا الطاعة فحاصرهم ورئيسهم موسى بن إبراهيم ويس، فبعد محاصرتهم ظفر بهم وعاد لحلب مظفرا فأنعمت عليه الدولة العلية المرتبة العالية الوزارة وكانت هي حاجته وأمنيته، فاستقام بحلب إلى أن عزل في ست من شوال سنة ثمانين ومائة وألف بالوزير علي باشا ابن كور أحمد باشا الوزير، ونهض
صاحب الترجمة من حلب غرة ذي القعدة إلى مقر حكومته الرها، وكان صاحب الترجمة قبل أن يتولى كلز أمير الأمراء بالرها وهي أول مناصبه.