ثم قال: قال ابن أبي طي: لما ملك السلطان منبج وتسلم الحصن صعد إليه وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره فكان في جملة أمواله ثلثمائة ألف دينار ومن الفضة والآنية الذهبية والأسلحة والذخائر ما يناهز ألفي ألف دينار، فحان من السلطان التفاتة
فرأى على الأكياس والآنية مكتوبا يوسف، فسأل عن هذا الاسم فقيل له: ولد يحبه ويوثره اسمه يوسف كان يدخر هذه الأموال له، فقال السلطان: أنا يوسف وقد أخذت ما خبىء لي، فتعجب الناس من ذلك. قال: ولما فرغ من منبج نزل على أعزاز ونصب عليها عدة مجانيق وجد في القتال وبذل الأموال. قال العماد: ثم نزل السلطان على حصن عزاز وقطع بين الحلبيين وبين الفرنج الجواز وهو حصن منيع رفيع فحاصره ثمانية وثلاثين يوما، وكان السلطان قد أشفق على هذا الحصن من موافقة الحلبيين للفرنج، فإن الغيظ حملهم على مهادنة الفرنج وإطلاق ملوكهم الذين تعب نور الدين رحمه الله في أسرهم، فرأى السلطان أن يحتاط على المعاقل ويصونها صون العقائل، فتسلمها حادي عشر ذي الحجة بعد مدة حصارها المذكور. قال: وأغار عسكر حلب على عسكرنا في مدة مقاما على عزاز فأخذوا على غرة وغفلة ما تعجلوه وعادوا فركب أصحابنا في طلبهم فما أدركوا إلا فارسا واحدا، فأمر السلطان بقطع يده بحكم جرده، فقلت للمأمور وذلك بمسمع من السلطان: تمهل ساعة لعله يقبل مني شفاعة، ثم قلت: هذا لا يحل وقدرك بل دينك عن هذا يجل، وما زلت أكرر عليه الحديث حتى تبسم وعادت عاطفته ورحم وأمر بحبسه وسرني سلامة نفسه، ودخل ناصر الدين بن أسد الدين وقال: ما هذا الفشل والونى؟ وإن سكتم أنتم فما أسكت أنا، ودمدم وزمجر وغضب وزأر وقال: لم لا يقتل هذا الرجل ولماذا اعتقل، فوعظه السلطان واستعطفه وسكن غضبه وتعطفه وتلا عليه {وَلََا تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ََ} وأطلق سراحه وتم في نجاته نجاحه اه.
قال في الروضتين: كانت الوثبة الأولى عليه وهو على حلب وقد تقدم، وهذه كانت حادي عشر ذي القعدة وهو على أعزاز يحاربها، وكان للأمير جاولي الأسدي خيمة قريبة من المنجنيقات وكان السلطان يحضر فيها كل يوم لمشاهدة الآلات وترتيب المهمات وحض الرجال والحث على القتال. ثم قال: قال ابن أبي طي: لما فتح السلطان حصن بزاعة ومنبج أيقن من بحلب بخروج ما في أيديهم من المعاقل والقلاع فعادوا إلى عادتهم في نصب
الحبائل للسلطان فكاتبوا سنانا صاحب الحشيشية [هو من الإسماعيلية وكان مقامه في مصياث (1) بلدة صغيرة بالقرب من حماة وهي الآن من أعمالها ولا زال سكانها من الإسماعيلية] مرة ثانية ورغبوه بالأموال والمواعيد وحملوه على إنفاذ من يفتك بالسلطان، فأرسل لعنه الله من أصحابه فجاؤوا بزي الأجناد ودخلوا بين المقاتلة وباشروا الحرب وأبلوا فيها أحسن البلاء، وامتزجوا بأصحاب السلطان لعلهم يجدون فرصة ينتهزونها، فبينما السلطان يوما جالسا في خيمة جاولي [وقد قدمنا أسباب جلوسه فيها] والحرب قائمة والسلطان مشغول بالنظر إلى القتال إذ وثب عليه أحد الحشيشية وضربه بسكين على رأسه، وكان رحمه الله محترزا خائفا من الحشيشية لا ينزع الزردية عن بدنه ولا صفائح الحديد عن رأسه، فلم تصنع حربة الحشيشي شيئا لمكان صفائح الحديد، وأحس الحشيشي بصفائح الحديد على رأس السلطان فمد يده بالسكينة إلى خد السلطان فجرحه وجرى الدم على وجهه فتتعتع السلطان لذلك، ولما رأى الحشيشي ذلك هجم على السلطان وجذب رأسه ووضعه على الأرض وركبه لينحره، وكان من حول السلطان قد أدركهم دهشة أخذت بعقولهم، وحضر في ذلك الوقت سيف الدين بازكوج وقيل إنه كان حاضرا فاخترط سيفه وضرب الحشيشي فقتله، وجاء آخر من الحشيشية أيضا يقصد السلطان فاعترضه الأمير منكلان الكردي وضربه بالسيف وسبق الحشيشي إلى منكلان فجرحه في جبهته وقتله منكلان، ومات منكلان من ضربة الحشيشي بعد أيام، وجاء آخر من الباطنية فحصل في سهم الأمير علي بن أبي الفوارس، فهجم على الباطني ودخل الباطني فيه ليضربه فأخذه علي تحت إبطه وبقيت يد الباطني من ورائه لا يتمكن من ضربه، فصاح علي: اقتلوه واقتلوني معه، فجاء ناصر الدين محمد بن شيركوه فطعن بطن الباطني بسيفه وما زال يخضخضه فيه حتى سقط ميتا ونجا ابن أبي الفوارس، وخرج آخر من الحشيشية منهزما فلقيه الأمير شهاب الدين محمود خال السلطان فنكب الباطني عن طريق شهاب الدين فقصده أصحابه وقطعوه بالسيف. وأما السلطان فإنه ركب من وقته إلى سرادقه ودمه سائل على خده، وأخذ من ذلك الوقت في الاحتراس والاحتراز وضرب حوله سرادقه برجا من الخشب كان يجلس فيه وينام ولا يدخل عليه إلا من يعرفه، وبطلت