وكان له بالباب العالي الإكرام والاحترام غيبة وحضورا. ولما عزل سليمان باشا كافل القاهرة استنهضه في أن يكون معه في أخذ الهند بالأمر السلطاني إذا حصل الإذن السلطاني فيه، فوافقه، ثم رافقه في التوجه إلى الباب العالي، فلما عرض الحال وقع الإذن في ذلك وأعيد سليمان باشا إلى كفالة القاهرة، فلما شرع في تهيئة أمور السفر إلى الهند بدا للأمير جانم أن لا يسافر معه، فأرسل إلى أخيه الأمير إبراهيم وكان بالباب العالي دائما أن يشفع فيه ويصرفه عن هذه السفرة، فشاع بالباب العالي ما أسره لأخيه. واتفق أن الأمير إبراهيم توفي إلى رحمة الله تعالى قبل بلوغ أخيه ما يبغيه فوصل إلى مسامع سليمان باشا ما أسره
لأخيه فلم يعرض فيه على التعيين حذرا أن لا يسمع فيه عرض، فعرض أن جماعة بالقاهرة يعطلون على هذه السفرة التي وقع الإذن السلطاني بها، فورد عليه حكم بفعل ما يريد، فأحضره وحز رأسه وأحضر ولده الجمالي يوسف وحز رأسه وسلخهما وحشاهما تبنا وعلقهما بباب زويلة، وكان ذلك في آخر ذي الحجة ختام سنة أربع وأربعين.
ثم سعى في أخذ الهند فضيع أموالا جزيلة ولم ينل مراده قبل.
قيل: وكان تدبير قتله وقتل ولده مع سليمان باشا من قاسم المغربي كما سيأتي في ترجمته.
وقد بلغني عن الأمير جانم أنه كان مع هذه السعة لا يرى الدعة ويتمنى أن لو كان ببلدته حلب منفردا عن الناس تحت ظل شجرة في داره بها، حتى برز أمره بتجديد قاعة عظمى بجوار داره القديمة وبعث لها من القاهرة نفائس الرخام الملون فعمرت ولم ينل ما يريده من العزلة بها رحمه الله.
يوسف بن الأمير جانم بن الأمير الكبير يوسف الأمير جمال الدين الحمزاوي الحلبي القاهري.
ولي إمارة الحاج المصري. وقتله سليمان باشا الخادم كافل القاهرة سنة أربع وأربعين وتسعمائة على ما مر في ترجمة أبيه، ولامه على قتله الشيخ شاهين الجركسي المنقطع إلى الله تعالى بالقرافة، وكان سليمان يتردد إليه ويتبرك به، فلما قتله وأباه تركه وأباه وقال:
لا يعد سليمان يدخل عليّ ولا يتردد إليّ، فما زال حتى اجتمع به فقال: إن أباه قتل في عمره من لا يستحق القتل فقتل به، فما ذنب ولده؟ فقال: إني خشيت أن ينقاد إليه بعض بقايا الجراكسة فيفسد ملك مصر على الحضرة الخنكارية فقتلته.
وكان شكلا حسنا لا يروى راء من عذب رؤيته ولا يمل مطالع من شهود طلعته، طويل القامة زائد الشهامة رحمنا الله تعالى وإياه.