فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 2877

وحج وجاور بالقدس الشريف قريبا من اثنتي عشرة سنة، وأكرمه كل الإكرام بالإنفاق عليه شيخ الإسلام الشمس محمد بن أبي اللطف الحصكفي الشافعي. ولما كان بحلب قبل هذه المجاورة نسجت المودة بينه وبين ولي الله تعالى الشيخ علي بك بن المصارع البيري مريد الشيخ محمد الكواكبي وهو إذ ذاك بالبيرة إلى أن زار المثنى بذكره المبدوء بذكره، فاجتذبه بالحال إلى البيرة فسكنها، فبينما هو نائم ذات ليلة إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اخلع على الشيخ علي بك بن المصارع، فقال: وماذا أخلع عليه يا رسول الله؟ فقال: هذا، وكان عليه إذ ذاك لبّاد قصير يلبسه على القميص وينام به، فلما استيقظ من نومه انتزعه من ساعته وطيّبه ورش

عليه ماء الورد، ثم توجه به إلى الشيخ علي بك بن المصارع وقص عليه القصة وأعطاه إياه، فلبسه ولم يزل عليه إلى أن تقطع ورقعه مرة بعد أخرى.

ولم يزل الشيخ شرف الدين على عمل الخير والديانة والمثابرة على الطاعة ومطالعة كتب القوم والاحتفال بالنظر في إحياء علوم الدين إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة ودفن خارج باب الفرج قبلي تربة الخراساني في قبر حفره لنفسه بيده شيئا فشيئا. فبينما هو ذات يوم يتعاطى حفره إذ جاءه الشيخ محمد العريان السابق ذكره وقال: اخرج منه، فخرج منه، فنزل فعمل فيه شيئا، فسر بذلك الشيخ شرف الدين وأخبر به أصحابه، ولما فتح القبر لدفنه وجد فيه في المحل الذي يكون فيه خده حصيات، فسئل عن شأنها فأخبر بعض إخوانه أنه كان قد قرأ على كل حصاة منها { (قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ) } [1] ألف مرة. وكنت قد اجتمعت به بمحلته المذكورة قبل الوفاة والتمست بركته، رحمنا الله تعالى وإياه.

إبراهيم فقيه اليشبكية ابن أحمد بن يعقوب الكردي القصيري الشافعي المشهور بفقيه اليشبكية.

ولد سنة خمسين وثمانماية تقريبا بعاره بالمهملتين: قرية من القصير من أعمال حلب.

وأخبر أنه انتقل مع والده إلى حلب صغيرا فقطنها وحفظ القرآن ثم الحاوي الصغير، وأنه رحل إلى دمشق فعرضه على البدر محمد بن قاضي شهبة والنجم ابن قاضي عجلون وأخيه التقي، وأنه سمع الحديث بها، وبالقاهرة على جماعة، وبحلب على محدثها الموفق أبي ذر وغيره، وأجازه الشيخ خطاب الدمشقي وغيره.

قال الزين عمر بن الشماع في كتابه «تشنيف الأسماع» : ولم يهتم بالحديث كما ظهر لي من كلامه، وإنما اشتغل بالقاهرة بالعلوم العقلية والنقلية.

قلت: وقد كان دينا خيرا كثير التلاوة للقرآن، معتقدا عند كل إنسان، طارحا للتكلف، سارحا في طريق التقشف، مكفوف اللسان عن الاغتياب، مثابرا على إفادة

(1) الإخلاص: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت