ثم خرج عن طرابلس وصار يتنقل من مكان إلى آخر ويأخذ ما ظفر به من أموال الناس إلى أن عاد إلى حلب في عشرين شوال، فاستعد أهل حلب لقتاله فقاتلهم ودام القتال بينهم عدة أيام إلى أن خرج إليه من أمراء حلب جماعة ومعهم عدة من العوام ظاهر حلب وقاتلوه قتالا شديدا استظهر فيه أمراء حلب ومسكوا بعض أمراء التركمان وقتلوا منهم جماعة، ثم حمل تغري برمش على أهل حلب فهزمهم وقبض على جماعة منهم ممن بقي
خارج البلد وقطع أيديهم فنفرت القلوب منه وقويت العداوة بينهم ودام ذلك إلى شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ورد عليه الخبر بقدوم العساكر السلطانية إلى حلب وبالقبض على الأمير إينال الجكمي نائب دمشق فتهيا لقتالهم وسار إلى جهة حماة ونزل بالقرب منها إلى يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة، نزل العسكر السلطاني في ظاهر حماة من جهة الشمال وبات تغري برمش من جهة الغرب على عزم القتال، فلما أصبح نهار الجمعة سابع عشره ركب العسكر السلطاني وركب تغري برمش بمن معه والتقى الجمعان ولم يثبت تغري برمش وانهزم من غير قتال، وتوجه في أناس قلائل إلى جهة أنطاكية ونهب جميع ما كان معه وتوجه معه ابن سقلسيز، فلما وصلوا إلى الدربند خرج عليهم فلاحو تلك القرى مع من انضم إليهم وقاتلوهم فانكسر تغري برمش وأمسك معه ابن سقلسيز أيضا، فورد الخبر على العسكر المصري بذلك فخرج منهم جماعة إليهم وأمسكوهما وقيدوهما وجاؤوا بهما إلى حلب فحبسا بقلعتها فكان يوم قدومهم إلى حلب من الأيام المشهودة.
واستمر تغري برمش وابن سقلسيز في حبس قلعة حلب حتى ورد الخبر بقتلهما فقتلا في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بعد أن سمّرا وضربت رقبة تغري برمش هذا تحت قلعة حلب.
وكان تغري برمش أميرا جليلا عارفا سيوسا ذا رأي وتدبير ودهاء ومكر مع ذكاء مفرط وفطنة، وكان رجلا طوالا أسود اللحية مليح الوجه فصيح اللسان باللغة التركية عارفا بأمور الدنيا وجمع المال، وله قدرة على مداخلة الملوك، وكان جاهلا بسائر العلوم حتى لعله لم يحفظ مسألة في دينه بل كانت جميع حواسه مجموعة على أمر دنياه، وكان جبانا بخيلا بالبر والصدقة كريما على مماليكه متجملا في مركبه وملبسه ومأكله، وكان حريصا جبارا يميل إلى الظلم والعسف، ولقد أخرب في حروبه هذه عدة قرى من أعمال حلب وما حولها وقتل من أهلها جماعة، لا جرم أن الله عامله وجازاه من جنس أعماله {وَمََا رَبُّكَ بِظَلََّامٍ لِلْعَبِيدِ}
قال في كنوز الذهب: (زاوية تغري ورمش) تحت القلعة بالقرب من جامع دمرداش أنشأها تغري ورمش كافل حلب وكانت أولا سوقا للخيل بلا بناء فاشترى أرضها من بيت المال وأسسها في سنة أربعين وتمت في سنة إحدى وأربعين وجعل لها وقفا على بابها وبحضرتها
وحصصا من قرى وجعل لها سماطا ومجاورين وشيخا بايزيديا آفاقيا عزبا، وجعل لها قارئا يقرأ البخاري وشرط أن يكون حنفيا، وجعل فوقها مكتبا للأيتام، واتخذ بها مدفنا فخرج إلى الموكب، فلما رجع سمع قراءة بالمدفن فقال: ما هذا؟ فقال: يقرؤون القرآن للواقف، فقال: إنما جعلت هذا المكان سقاية للماء. وأما بوابتها فكانت بوابة بدار العدل فنقلها إلى هذه الزاوية، وأما الحوض الذي بحضرة شبابيكها فكان السلطان المؤيد قد أحضره لما أراد إعادة السور على عادته القديمة ليجعله عتبة باب عند ساحة بزا، فلما لم يتفق ذلك ألقيت هناك فأحضرها تغري برمش وجعلها حوضا، وهذه الزاوية لطيفة محكمة بالحجر المنحوت وفرش من الرخام الأصفر وغيره وإلى جانبها مطبخ يطبخ به للفقراء ومرتفق يأتي إليه الماء من دولاب على القناة، وجعل النظر فيها لمن تولى نيابة السلطنة بقلعة حلب، فكأنه والله أعلم استشعر من نفسه الخروج عن الطاعة عند موت الأشرف فخاف أن يهدمها أهل القلعة وجعل عمالتها للرئيس ضياء الدين ابن النصيبي لأنه هو الذي تولى عمارتها وكان صديقا له انتهى.