فتوجه به إلى مدينة أرزنكان وغيرها، ثم عاد الجميع نحو مدينة حلب، فبلغ تغري برمش المذكور موت الملك الأشرف برسباي وسلطنة ولده الملك العزيز يوسف، فاستوحش حينئذ من العساكر المصرية وصار بمعزل عنهم وتخلف بعدهم بعين تاب ولم يدخل حلب، ولما وصلت الأمراء إلى حلب أرسلوا إليه قاني باي الحمزاوي نائب حماة والأمير تمراز القرمشي إلى عينتاب لإحضاره فأبى عن الحضور إلا بعد خروجهم منها، فعاد إلى حلب بهذا الخبر، ثم عاد العسكر كل إلى مكانه في أواخر شهر المحرم سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
وبلغ الخبر تغري برمش فركب من عينتاب ودخل حلب ودام في نيابته إلى شهر ربيع الآخر من السنة ورد عليه الخبر بخلع الملك العزيز وسلطنة الملك الظاهر جقمق، ثم قدم على الخاصكي بخلعة الاستمرار فلبسها وقبل الأرض وحلف للملك الظاهر جقمق، ثم شرع بعد ذلك يتعاطى أسباب العصيان في الباطن ويكاتب العربان والتركمان واستمر على ذلك إلى شهر شعبان من السنة بدا لأمراء حلب الركوب عليه خوفا منه على أنفسهم، فركبوا عليه وقاتلوه بالبيّاضة من حلب فكسر أمراء حلب وانهزم كل واحد منهم إلى جهة. ثم أخذ تغري برمش في حصار قلعة حلب واستفحل أمره، ثم وقع بينه وبين أهل حلب وحشة، وركبوا عليه وقاتلوه ورموا عليه من القلعة فلم يسعه إلا الفرار من حلب وخروجه جريدة من دار السعادة من غير أن يصحب معه شيئا من خيله وقماشه، وخرج ومعه نحومائة فارس من باب السر قاصدا باب أنطاكية فتبعه العوام ورموا عليه وعلى أصحابه، ثم نهبت العوام ماله بدار السعادة وغيرها فأخذ له مال لا يحصى كثرة، وتوجه تغري برمش بمن معه إلى الميدان ثم إلى خان طومان، ثم توجه إلى سقلسيز التركماني نائب شيراز لائذا به فوافقه ابن سقلسيز على العصيان فاستفحل به أمره واجتمع عليه خلق من التركمان وغيرهم، ثم توجه ومعه ابن سقلسيز إلى طرابلس وطرقها ففر منها نائبها الأمير جلبان من غير قتال واستولى تغري برمش هذا على جميع برك جلبان وذلك في رمضان من السنة.
ثم خرج عن طرابلس وصار يتنقل من مكان إلى آخر ويأخذ ما ظفر به من أموال الناس إلى أن عاد إلى حلب في عشرين شوال، فاستعد أهل حلب لقتاله فقاتلهم ودام القتال بينهم عدة أيام إلى أن خرج إليه من أمراء حلب جماعة ومعهم عدة من العوام ظاهر حلب وقاتلوه قتالا شديدا استظهر فيه أمراء حلب ومسكوا بعض أمراء التركمان وقتلوا منهم جماعة، ثم حمل تغري برمش على أهل حلب فهزمهم وقبض على جماعة منهم ممن بقي
خارج البلد وقطع أيديهم فنفرت القلوب منه وقويت العداوة بينهم ودام ذلك إلى شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ورد عليه الخبر بقدوم العساكر السلطانية إلى حلب وبالقبض على الأمير إينال الجكمي نائب دمشق فتهيا لقتالهم وسار إلى جهة حماة ونزل بالقرب منها إلى يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة، نزل العسكر السلطاني في ظاهر حماة من جهة الشمال وبات تغري برمش من جهة الغرب على عزم القتال، فلما أصبح نهار الجمعة سابع عشره ركب العسكر السلطاني وركب تغري برمش بمن معه والتقى الجمعان ولم يثبت تغري برمش وانهزم من غير قتال، وتوجه في أناس قلائل إلى جهة أنطاكية ونهب جميع ما كان معه وتوجه معه ابن سقلسيز، فلما وصلوا إلى الدربند خرج عليهم فلاحو تلك القرى مع من انضم إليهم وقاتلوهم فانكسر تغري برمش وأمسك معه ابن سقلسيز أيضا، فورد الخبر على العسكر المصري بذلك فخرج منهم جماعة إليهم وأمسكوهما وقيدوهما وجاؤوا بهما إلى حلب فحبسا بقلعتها فكان يوم قدومهم إلى حلب من الأيام المشهودة.