وقبل هذه الواقعة كانت وقعة أخرى ذكرها أبو الفداء في تاريخه فقال: في هذه السنة عاودت التتر قصد الشام وساروا إلى الفرات وأقاموا عليها مدة في أزوارها (بساتينها) وسارت منهم طائفة تقدير عشرة آلاف فارس وأغاروا على القريتين وتلك النواحي، وكانت العساكر قد اجتمعت بحماة عند زين الدين كتبغا النائب بحماة وكان مريضا من حين عاد من بلاد سيس، فلما اجتمعت العساكر عنده وقع الاتفاق على إرسال جماعة من العسكر إلى التتر الذي أغاروا على القريتين فجردوا أستدمر الكرجي نائب السلطنة بالساحل وجردوا صحبته جماعة من عسكر حلب وجماعة من عسكر حماة وجردوني أيضا من جملتهم، فسرنا من حماة سابع شعبان من هذه السنة وتواقعنا مع التتر على موضع يقال له الكوم قريبا من عرض، واقتتلنا معهم يوم السبت عاشر شعبان الموافق لسلخ آذار وصبر الفريقان، ثم نصر الله المسلمين وولى التتر منهزمين وترجّل منهم جماعة كثيرة عن خيلهم وأحاط المسلمون بهم بعد فراغهم من الوقعة وبذلوا لهم الأمان فلم يقبلوا وقاتلوا بالنشاب وعملوا سروج الخيل ستائر لهم وناوشهم العسكر القتال من الضحى إلى انفراك الظهر، ثم حملوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم، وكان هذا النصر عنوان النصر الثاني، ثم عدنا مؤيدين منصورين ووصلنا حماة ثالث عشر شعبان الموافق لثاني نيسان. (ثم ذكر الواقعة الثانية بمعنى ما قدمناه عن ابن إياس إلى أن قال) : لما أصبح الصباح وشاهد التتر كثرة المسلمين انحدروا من الجبل يبتدرون الهرب وتبعهم
المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وكان في طريقهم أرض متوحلة فتوحل فيها عالم كثير من التتر فأخذ بعضهم أسرى وقتل بعضهم وجرّد من العسكر الإسلامي جمعا كثيرا مع سلار وساقوا في إثر التتر المنهزمين إلى القريتين، ووصل التتر إلى الفرات وهي في قوة زيادتها فلم يقدروا على العبور والذي عبر فيها هلك، فساروا على جانبها إلى جهة بغداد فأنقطع أكثرهم على شاطىء الفرات وهلك من الجوع وأخذ منهم العرب جماعة كثيرة وأخلف الله تعالى بهذه الوقعة ما جرى على المسلمين في المصاف الذي كان ببلد حمص قرب مجمع المروج في سنة تسع وتسعين وستمائة. ولما حصل هذا النصر العظيم واجتمعت العساكر بدمشق أعطاهم السلطان الدستور فسارت العساكر الحلبية والحموية والساحلية إلى بلادهم فدخلنا حماة مؤيدين منصورين يوم السبت سادس عشر رمضان من هذه السنة الموافق لرابع أيار من شهور الروم اه.
قال ابن كثير: يوم السبت ثاني عشر رمضان قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر وأضيف إليها ألفان من دمشق وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندار ووصلوا إلى حماة فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين قبجق وجاء إليهم استدمر نائب طرابلس وانضاف إليهم قراسنقر نائب حلب وانفصلوا كلهم عليها فانفرقوا فرقتين سارت طائفة صحبة قبجق إلى ناحية ملطية وقلعة الروم، والفرقة الأخرى صحبة قراسنقر حتى دخلوا الدربندات وحاصروا تل حمدون فتسلموه عنوة في ثالث ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر لذلك بدمشق ووقع الاتفاق مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب وبلاد ما وراء النهر إلى ناحيتهم لهم وأن يعجلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك بعد قتل خلق من الأمراء الأرمن ورؤسائهم، وعادت العساكر إلى دمشق مؤيدة منصورة، ثم توجهت العساكر المصرية إلى مصر اه. قال أبو الفداء: لما استولوا على تل حمدون هدموها إلى الأرض.