فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 2877

ثم إن السلطان أحضر جماعة من عربان الشرقية ومن عربان الغربية ونادى بالنفير عاما وخرج مسرعا على جرائد الخيل وكان معه الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان والقضاة الأربعة وسائر الأمراء والعسكر من كبير وصغير، فلما رحلوا من الريدانية تقدم الأتابكي بيبرس الجاشنكير مع جماعة من العسكر قدام السلطان. فلما وصلوا إلى الشام جاءت الأخبار بأن جاليش غازان قد وصل إلى قرب حماة، فأرسل الأتابكي بيبرس يستحث السلطان في سرعة الحضور، فجد السلطان في السير حتى وصل إلى الشام وبرز إلى قتال عسكر قازان فكان مع السلطان من العساكر المصرية والشامية وعربان جبل نابلس نحو مائتي ألف إنسان وكان مع غازان مثل ذلك أو أكثر، فتلاقى العسكران على مرج راهط تحت جبل غباغب فكان بين الفريقين هناك واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها فيما تقدم من الزمان، فكانت النصرة يومئذ للملك الناصر محمد بن قلاوون على القان غازان فقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم وأسر من عسكر غازان نحو الثلث وقتل من أمراء مصر الأمير حسام الدين لاجين استادار العالية والأمير أوليا بن قرمان والأمير سنقر الكافوري والأمير أيدمر الشمسي والأمير آقوش الشمسي الحاجب والأمير عز الدين نقيب الجيوش المنصورة والأمير علاء الدين بن التركماني والأمير حسام الدين بن ساخل والأمير سيف الدين بهادر الدكاجكي، هؤلاء غير من قتل من أمراء دمشق الشام وحماة وحلب وطرابلس وغزة وغير ذلك من الأمراء. وقتل من المماليك السلطانية والأمراء نحو ألف وخمسمائة مملوك،

هذا خارجا عن العربان والمشاة والعبيد والغلمان وغير ذلك. فلما دخل الليل حالت الظلمة بين العسكرين فالتجأ عسكر غازان إلى أعلى الجبال وباتوا يوقدون النيران وبات عسكر السلطان محدقين بهم كالحلقة، فلما لاح الصباح من يوم الأحد رابع شهر رمضان عاين عسكر التتار الهلاك من العطش والجوع فصاروا يتسحبون من الأودية أولا بأول، فحمل عسكر السلطان عليهم فصيروهم رمما وأسروا منهم ما شاؤوا فامتلأت من قتلاهم القفار، فلما وصلت هذه النصرة للملك الناصر محمد أرسل الأمير بكتوت الفتاح بأخبار هذه النصرة إلى الديار المصرية.

ثم إن السلطان رحل من المكان الذي وقعت فيه الواقعة ودخل إلى دمشق وصحبته الخليفة المستكفي بالله سليمان والقضاة الأربعة فنزل بالقصر الأبلق، وكان يوم دخوله إلى دمشق يوما مشهودا لم يسمع بمثله.

وقبل هذه الواقعة كانت وقعة أخرى ذكرها أبو الفداء في تاريخه فقال: في هذه السنة عاودت التتر قصد الشام وساروا إلى الفرات وأقاموا عليها مدة في أزوارها (بساتينها) وسارت منهم طائفة تقدير عشرة آلاف فارس وأغاروا على القريتين وتلك النواحي، وكانت العساكر قد اجتمعت بحماة عند زين الدين كتبغا النائب بحماة وكان مريضا من حين عاد من بلاد سيس، فلما اجتمعت العساكر عنده وقع الاتفاق على إرسال جماعة من العسكر إلى التتر الذي أغاروا على القريتين فجردوا أستدمر الكرجي نائب السلطنة بالساحل وجردوا صحبته جماعة من عسكر حلب وجماعة من عسكر حماة وجردوني أيضا من جملتهم، فسرنا من حماة سابع شعبان من هذه السنة وتواقعنا مع التتر على موضع يقال له الكوم قريبا من عرض، واقتتلنا معهم يوم السبت عاشر شعبان الموافق لسلخ آذار وصبر الفريقان، ثم نصر الله المسلمين وولى التتر منهزمين وترجّل منهم جماعة كثيرة عن خيلهم وأحاط المسلمون بهم بعد فراغهم من الوقعة وبذلوا لهم الأمان فلم يقبلوا وقاتلوا بالنشاب وعملوا سروج الخيل ستائر لهم وناوشهم العسكر القتال من الضحى إلى انفراك الظهر، ثم حملوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم، وكان هذا النصر عنوان النصر الثاني، ثم عدنا مؤيدين منصورين ووصلنا حماة ثالث عشر شعبان الموافق لثاني نيسان. (ثم ذكر الواقعة الثانية بمعنى ما قدمناه عن ابن إياس إلى أن قال) : لما أصبح الصباح وشاهد التتر كثرة المسلمين انحدروا من الجبل يبتدرون الهرب وتبعهم

المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وكان في طريقهم أرض متوحلة فتوحل فيها عالم كثير من التتر فأخذ بعضهم أسرى وقتل بعضهم وجرّد من العسكر الإسلامي جمعا كثيرا مع سلار وساقوا في إثر التتر المنهزمين إلى القريتين، ووصل التتر إلى الفرات وهي في قوة زيادتها فلم يقدروا على العبور والذي عبر فيها هلك، فساروا على جانبها إلى جهة بغداد فأنقطع أكثرهم على شاطىء الفرات وهلك من الجوع وأخذ منهم العرب جماعة كثيرة وأخلف الله تعالى بهذه الوقعة ما جرى على المسلمين في المصاف الذي كان ببلد حمص قرب مجمع المروج في سنة تسع وتسعين وستمائة. ولما حصل هذا النصر العظيم واجتمعت العساكر بدمشق أعطاهم السلطان الدستور فسارت العساكر الحلبية والحموية والساحلية إلى بلادهم فدخلنا حماة مؤيدين منصورين يوم السبت سادس عشر رمضان من هذه السنة الموافق لرابع أيار من شهور الروم اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت