مولاي عبدك في هم وفي قلق ... صفر اليدين بلا ورق ولا ورق
واهي المعيشة في ضيق وفي نكد ... وسوء حال من الإفلاس والحرق
لا مال في يده والفقر أوهنه ... وأنت منقذه من لجة الغرق
أخبار جودك قد جاءت مسلسلة ... صحت روايتها من سائر الطرق
نلت المعالي بفعل المكرمات وها ... روايح المسك لا تخفى لمنتشق
أنت الجواد الذي أضحت مكارمه ... كالغيث هلّ فعم الناس مندفق
قاض غدا جوده كالبحر فاض ندى ... ودام وافره كالصيّب الغدق
أقلامه الخضر بالإحسان مثمرة ... من كفه قد جرت بالسعد في الورق
ضاءت بمنصبه الشهباء وهو بها ... لنصرة الحق لا وان ولا قلق
يؤمه العاجز الملهوف ينجده ... نعم ويخرجه من أضيق الطرق
أب اليتيم وللمحتاج نعم أخ ... وللغريب معين والضعيف يقي
له السيادة في الدنيا مؤيدة ... على الدوام مدى الأيام في نسق
قاضي القضاة رقى بالمجد منزلة ... تعلو على الدهر والأفلاك والأفق
ضاهاك بدر الدجى عند الكمال وها ... أنت الكمال بحسن الخلق والخلق
إليك تأتي أمور الناس قاطبة ... عرب وروم وأعجام من الفرق
هل أنت غرة هذا الدهر واحده ... فريد في عصره مسعود غير شقي
كافي المهمات حاوي الفضل كنز تقى ... مصباح بهجته كالبدر في الغسق
مهذب العقل مغني الراغبين أتى ... تصحيح ألفاظه كالدر في نسق
أما ومكة والأقصى وخيف منى ... وسورة النور والأعراف والفلق
لقد سما لك ذكر طيّب وثنا ... تضوع كالمسك أو كالعنبر العبق
أوضحت بالحق منهاجا لطالبه ... ومنهج العدل والإرشاد للفرق
لك اليراع إذا ما اهتز في ورق ... رأيت بحر الندى قد فاض بالورق
دامت لياليك في أمن وفي خفر ... ونجم سعدك وهّاج على الشفق
يا من به حلب أحوالها صلحت ... وبات ساكنها بالأمن من فرق
نوال كفيك مبسوط ومتصل ... يا كامل الفضل كم مدّيت من رمق
أنت الإمام كمال الدين من كملت ... أوصافه الغر لا تحصى من الورق
لله درك يا مولاي من رجل ... لسانه ناطق بالحق منطلق
شاد المعالي وساد الأقدمين وقد ... زهت مناقبه كالزهر حين سقي
أبقاه مولاه في الدنيا لنا سندا ... حتى نعيش به في أطيب العبق
فمن يكن بكمال الدين متثقا ... بعد الإله فلا يخشى من الغرق
عين الوجود ورأس الناس في حلب ... كهف المساكين شيخ المسلمين تقي
يقوم بالليل والقرآن يسرده ... بالفكر والذكر والتدبير في الغسق
خال من الغش ذو نصح وصدق وفا ... وسيرة ظهرت في أحسن الطرق
دارت بسعدك أفلاك السعود وقد ... علوت قدرا وإجلالا على الأفق
مات العدو وقد شقت مرارته ... وكبده ذاب من غيظ ومن حنق
هلّت مدامعه كالسحب من حسد ... وبات في قلق من شدة الأرق
عليل مسقوم في ذل وفي حزن ... وقلبه من أليم الحقد في حرق
لا زلت ترقى على الأفلاك مرتفعا ... أوج المعالي فلا تخشى من الزلق
يهدى برأيك أصحاب العقول كما ... يهدى المضل بسير النجم في الطرق
أوليتني نعما قلّدتني مننا ... ألبستني خلعا تغلو على الوشق
بادر لعبدك يا مولاي والحظه ... وانظر إليه وأنقذه من الأرق
نفعته دائما في كل واقعة ... لولاك كان زري الحال في خلق
اختم بخير وكمل ما سمحت به ... يا من فضائله كالعقد في العنق
لخصت مدحك يا مولاي مختصرا ... في نبذة من قريض الشعر في نسق
قصيدة قد وهت في النظم سافلة ... لكن بكم قد علت قدرا على الشفق
طرازها مدح مولانا وحلّتها ... من فاخر المدح لا سحا من البثق
أتت لبابك تسعى وهي في خجل ... ترجو القبول بعين القلب والحدق
نفيسة المدح من بحر البسيط أتت ... بكر تزف بلا عيب ولا رتق
إن ردت تعرف ممدوحا ومادحه ... فاجمع أوائل بيت النظم في نسق
ثم الصلاة على المختار من مضر ... ما غنت الورق فوق الأيك في الورق
والآل والصحب والأتباع كلهم ... ما انهل غيث على البطحاء مندفق
وكان القاضي علاء الدين في بداية أمره أحد عدول حلب بمكتب الزرد كاشية عارفا بصنعة الشروط سريع الكتابة، ربما حفي قلمه فقطّه بسنه وكتب به خطا حسنا. وكان له اشتغال في العلم على الجلال النصيبي وحرص على اقتناء الكتب النفيسة.
توفي في العشر الأواخر من رجب سنة اثنتين وثلاثين. وكان طويل القامة طويل العمامة.
محمود بن أبي بكر بن محمود قاضي القضاة نور الدين المعري الأصل الحموي ثم الحلبي الشافعي سبط الشيخ أبي ذر بن الحافظ برهان الدين الحلبي.
ولي قضاء حماة بعد أبيه إلى آخر الدولة الجركسية.
وكان أبوه القاضي تقي الدين قد ذهب إلى القاهرة فاجتمع بالمقر المحبي ابن آجا كاتب الأسرار الشريفة بها فأبرم عليه أن يكون قاضي الشافعية بحلب، فأبى رعاية منه لعمي الكمال قاضيها، ففوض إليه الأمر السلطاني قضاء حماة، فأبى وسعى فيه لولده هذا، فبقي بها قاضيا إلى انقضاء الدولة الجركسية، فلما مر على حماة المقام السليمي ذاهبا إلى القاهرة ليأخذها ولاه قضاها أيضا، فلما أخذها وعاد بدا للقاضي نور الدين أن يترك القضاء
في هذه الدولة تورعا عما فيها من رقم ورسم وسجلات الحسبة ونحو ذلك، فتركه وطلب شيئا من المناصب الحموية، فأخرجت له براءة واحدة بنحو ثلاثين منصبا ما بين تدريس وتولية.