فهرس الكتاب
قال أبو الفداء: ثم سار الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز بعساكره من دمشق وصحبته من ملوك أهل بيته الصالح إسماعيل بن العادل بن أيوب والأشرف موسى صاحب حمص وهو حينئذ صاحب تل باشر والرحبة وتدمر والمعظم تورانشاه ابن السلطان صلاح الدين وأخو المعظم المذكور نصرة الدين والأمجد حسن والظاهر شاذي أبناء الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى وتقي الدين عباس بن العادل ومقدم الجيش شمس الدين لولو الأرمني وإليه تدبير المملكة، فرحلوا من دمشق منتصف رمضان، ولما بلغ المصريين ذلك اهتموا لقتاله ودفعه وبرزوا إلى السايح وتركوا الأشرف المسمى بالسلطان بقلعة الجبل، وأفرج أيبك التركماني حينئذ عن ولدي الصالح إسماعيل وهما المنصور إبراهيم والملك السعيد عبد الملك وكانا معتقلين من حين استيلاء الملك الصالح أيوب على بعلبك وخلع عليهما ليتوهم الناصر يوسف صاحب دمشق من أبيهما الصالح إسماعيل، والتقى العسكران المصري والشامي بالقرب من العباسية عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فكانت الكسرة أولا على عسكر مصر، فخامر جماعة من المماليك الترك العزيزية على الملك الناصر وثبت المعز أيبك التركماني في جماعة قليلة من البحرية فانضاف جماعة من العزيزية مماليك والد الملك الناصر إلى أيبك التركماني، ولما انكسرت المصريون وتبعتهم العساكر الشامية ولم يشكوا في النصر بقي الملك الناصر تحت السناجق السلطانية مع جماعة يسيرة من المتعممين لا يتحرك من موضعه، فحمل المعز التركماني بمن معه عليه فولى الملك الناصر منهزما طالبا جهة الشام، ثم حمل أيبك التركماني المذكور على طلب شمس الدين لولو فهزمهم وأخذ شمس الدين لولو أسيرا فضربت عنقه بين يديه، وكذلك أسر الأمير ضياء الدين القيمري فضربت عنقه، وأسر يومئذ الملك الصالح إسماعيل والأشرف صاحب حمص والمعظم تورانشاه بن صلاح الدين بن
أيوب وأخوه نصرة الدين، ووصل عسكر الملك الناصر في إثر المنهزمين إلى العباسية وضربوا بها دهليز الملك الناصر وهم لا يشكون أن الهزيمة تمّت على المصريين، فلما بلغهم هروب الملك الناصر اختلفت آراؤهم، فمنهم من أشار بالدخول إلى القاهرة وتملكها ولو فعلوه لما كان بقي مع أيبك التركماني من يقاتلهم به وكان هرب، فإن غالب المصريين المنهزمين وصلوا إلى الصعيد، ومنهم من أشار بالرجوع إلى الشام وكان معهم تاج الملوك بن المعظم وهو مجروح، ووصل المنهزميون من المصريين إلى القاهرة في غد الواقعة نهار الجمعة فلم يشك أهل مصر في ملك الملك الناصر ديار مصر وخطب له في الجمعة المذكورة بقلعة الجبل ومصر، وأما القاهرة فلم يقم فيها في ذلك النهار خطبة لأحد، ثم وردت إليهم البشرى بانتصار البحرية ودخل أيبك التركماني والبحرية إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة ومعه الصالح إسماعيل تحت الاحتياط وغيره من المعتقلين، فحبسوا بقلعة الجبل، وعقيب ذلك أخرج أيبك التركماني أمين الدولة وزير الصالح وأستاذ داره يغمور وكانا معتقلين من حين استيلاء الصالح أيوب على بعلبك فشنقهما على باب قلعة الجبل رابع عشر ذي القعدة.
وليلة السابع والعشرين منه هجم جماعة على الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل بن أيوب وهو يمص قصب السكر وأخرجوه إلى ظاهر قلعة الجبل من جهة القرافة فقتلوه ودفن هناك وعمره قريب من خمسين سنة اه.
قال أبو الفداء: في هذه السنة مشى نجم الدين الباذراي في الصلح بين المصريين والشاميين واتفق الحال أن يكون للملك الناصر الشام جميعه إلى العريش ويكون الحد بئر القاضي وهو بين الواردة والعريش، وبيد المعز أيبك الديار المصرية. وانفصل الحال على ذلك ورجع كل إلى بلده اه.
قال أبو الفداء: في هذه السنة توجه كمال الدين المعروف بابن العديم رسولا من الملك الناصر يوسف صاحب الشام إلى الخليفة المستعصم وصحبته تقدمة جليلة وطلب
خلعة من الخليفة لمخدومه، ووصل من جهة المعز أيبك التركماني صاحب مصر شمس الدين سنقر الأقرع وهو من مماليك المظفر غازي صاحب ميافارقين إلى بغداد بتقدمة جليلة وسعى في تعطيل خلعة الناصر يوسف صاحب دمشق، فبقي الخليفة متحيرا، ثم إنه أحضر سكينا من اليشم كبيرة، وقال الخليفة لوزيره: أعط هذه السكين رسول صاحب الشام علامة مني في أن له خلعة عندي في وقت آخر، وأما في هذا الوقت فلا يمكنني، فأخذ كمال الدين بن العديم السكين وعاد إلى الناصر يوسف بغير خلعة اه.