قال في الروضتين: وكان خيرا عادلا حسن السيرة جوادا محافظا على حسن العهد وأداء الأمانة قليل العذر بل عديمه، وكان إذا وعد بشيء لابد له من أن يفعله وإن كان خطيرا، وكان حاله من أعجب الأحوال بينما يبدو منه ما يدل على سلامة صدره وغفلته، حتى يبدو منه ما يدل على إفراط الذكاء وغلبة الدهاء، بلغني أنه أتاه بعض أصحابه بذنب فرس ذكر أنه نفق له فأمر له بفرس، فأخذ ذلك الذنب أيضا غيره من الأجناد فأحضره وذكر أنه نفق له دابة فأمر له بفرس، وتداول ذلك الذنب اثنا عشر رجلا كلهم يأخذ
فرسا، فلما أحضره آخرهم قال لهم: أما تستحون مني كما أستحي أنا منكم، قد أحضر هذا عندي اثنا عشر رجلا وأنا أتغافل لئلا يخجل أحدكم، أتظنون أنني لا أعرفه، بلى والله وإنما أردت أن يصلكم عطائي بغير منّ ولا تكدير فلم تتركوني.
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
قال: وكان يعطي كثيرا ويخلع عظيما، وكان له البلاد الكثيرة فلم يخلف شيئا بل أنفده جميعه في العطايا والإنعام على الناس، وكان يلبس الغليظ ويشد على وسطه كل ما يحتاج إليه من سكين ودوفش ومطرقة ومسلة وخيوط ودسترك وغير ذلك.
وكان أشجع الناس ميمون النقيبة لم يهزم له راية، وكان يقوم المقام الخطير فيسلم منه بحسن نيته. وكان تركيا أسمر اللون خفيف العارضين قصيرا جدا. وبنى مدارس وربطا بالموصل وغيرها. وبلغني أنه مدحه الحيص بيص، فلما أراد الإنشاد قال له: أنا لا أدري ما تقول لكن أعلم أنك تريد شيئا، فأمر له بخمسمائة دينار وأعطاه فرسا وخلعا وثيابا يكون مجموع ذلك ألف دينار.
قال ابن خلكان: أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، ولما توفي والده ولي موضع أبيه وعمره أربع عشرة سنة، وكان أتابكه مجاهد الدين قايماز، فأقام مدة ثم تعصب مجاهد الدين عليه وكتب محضرا أنه ليس أهلا لذلك، وشاور الديوان العزيز (أي الخليفة في بغداد) في أمره واعتقله وأقام أخاه زين الدين أبا المظفر يوسف مكانه، وكان أصغر منه، ثم أخرج مظفر الدين من البلاد فتوجه إلى بغداد فلم يحصل له بها مقصود، فانتقل إلى الموصل ومالكها يومئذ سيف الدين غازي بن مودود فاتصل بخدمته وأقطعه مدينة حران، فانتقل إليها وأقام بها مدة، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين وحظي عنده وتمكن منه وزاده في الإقطاع الرها في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأخذ صلاح الدين الرها من ابن الزعفراني وأعطاها مظفر الدين مع حران وأخذ الرقة من ابن حسان وأعطاها ابن الزعفراني، ثم أعطاه سميساط وزوجه أخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب. وشهد مع صلاح الدين مواقف كثيرة وأبان فيها عن نجدة
وقوة نفس وعزمة، وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنه تواريخ العماد الأصفهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما، وشهرة ذلك تغني عن الإطالة فيه. ولو لم يكن إلا وقعة حطين لكفته فإنه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة وانكسر العسكر بأسره، ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت النصرة للمسلمين وفتح الله سبحانه عليهم. ثم لما كان السلطان صلاح الدين منازلا عكا بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه، وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين وهو يومئذ صاحب إربل، فأقام قليلا ثم مرض وتوفي سنة ست وثمانين وخمسمائة بالناصرة، فلما توفي التمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن حران والرها وسميساط ويعوضه إربل، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور فتوجه إليها في هذه السنة. هذه خلاصة أمره.