وما درى الغمر بأني امرؤ ... أميّز التبر من الترب
قد عارك الأهوال حتى غدا ... بين الورى كالصارم العضب
قد راضه الدهر فلو أمه ... بخطبه ما ريع للخطب
قال: وعرضت نسخة اليمين علينا وصرفنا ولم يلتفت إلينا، فلما صارا إلى السلطان وأخبراه بما جرى في حقهما من الهوان علم أن ذلك كان حيلة عليه حتى دخل كمشتكين إلى حلب فأطلق نصرة الدين وقاتل أهل حلب، ولم يزل منازلا لحلب إلى انسلاخ سنة إحدى وسبعين.
قال في الروضتين: دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة والسلطان مقيم بظاهر حلب فعرف أهلها أن العقوبة أليمة والعاقبة وخيمة، فدخلوا من باب التذلل ولاذوا بالتوسل وخاطبوا في التفضل وطلبوا الصلح فأجابهم وعفا وعف وكفى وكف، وأبقى للملك الصالح حلب وأعمالها واستقرى كل عثرة لهم وأقالها وأراد له الإعزاز فرد له عزاز. وقال ابن شداد:
أخرجوا إليه ابنة لنور الدين صغيرة سألت منه عزاز فوهبها إياها.
قال ابن أبي طي: لما تم الصلح وانعقدت الأيمان عول الملك الصالح على مراسلة السلطان وطلب عزاز منه فأشار الأمراء عليه بإنفاذ أخته وكانت صغيرة، فأخرجت إليه فأكرمها السلطان إكراما عظيما وقدم لها أشياء كثيرة وأطلق لها قلعة عزاز وجميع ما فيها من مال وسلاح وميرة وغير ذلك.
وقال غيره: بعث الملك الصالح أخته الخاتون بنت نور الدين إلى صلاح الدين في الليل فدخلت عليه فقام قائما وقبل الأرض وبكى على نور الدين، فسألت أن يرد عليهم عزاز فقال: سمعا وطاعة، فأعطاها إياها وقدم لها من الجواهر والتحف والمال شيئا كثيرا، واتفق مع الملك الصالح أن له من حماة وما فتحه إلى مصر وأن يطلق الملك الصالح أولاد الداية (وقد تقدم ذكر حبسهم في جب القلعة) قال العماد: وحلفوا له على كل ما شرطه واعتذروا عما أسخطه، وكان الصلح عاما لهم وللمواصلة وأهل ديار بكر، وكتب في
نسخة اليمين أنه إذا غدر منهم واحد وخالف ولم يف بما عليه حالف كان الباقون عليه يدا واحدة وعزيمة متعاقدة حتى يفيء إلى الوفاء والوفاق ويرجع إلى مرافقة الرفاق اه. ثم توجه السلطان صلاح الدين من حلب إلى حصن مصياث وبعد أن أخذ ثأره من سنان الإسماعيلي توجه إلى دمشق ثم إلى مصر. وبسط في الروضتين الكلام في ذلك.